الفوائد المنتقاة من حجة الوداع
   عدد المشاهدات : 8229

الفوائد المنتقاة من حجة الوداع

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره علو الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد : فيقول الله سبحانه وتعالى: ((وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإبراهيم مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)).

ما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلا مرة واحدة، وهي حجة البلاغ، وحجة الإسلام، وحجة الوداع، لها أسماء متعددة، وكم في هذه الحجة من العبر والعظات، بيّن فيها صلى الله عليه وسلم أحكام المناسك وقواعد الدين، وبلغ فيها أعظم البلاغ، وأشهد الصحابة رضي الله عنهم على ذلك، (هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: اللهم اشهد).

في هذه الحجة أبطل صلى الله عليه وسلم عادات الجاهلية، وما أحدثوه من ابتداع في دين الله. وفيها: أتم الله النعمة على أهل الإسلام، وأنزل قوله: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)). وفيها: ودع النبي صلى الله عليه وسلم الناس، فسميت بحجة الوداع، قال عليه الصلاة والسلام: (لتأخذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا). وكان الصحابة الأخيار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل منزل ينزله، كلهم ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقتدي به في أفعاله وأقواله، ثم نقلوا تلك الحجة العظيمة إلى من بعدهم، وما تركوا فيها شاذة ولا فاذَّةً إلى ذكروها، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

إن حجة الوداع فيها فوائد كثيرة :

فمن تلك الفوائد : حرصه صلى الله عليه وسلم على إظهار شعائر الإسلام ومخالفة المشركين، فقد كان أهل الجاهلية يلبون فيقولون: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك" فخالفهم صلى الله عليه وسلم في ذلك، قال جابر رضي الله عنه: "فأهل النبي صلى الله عليه وسلم بالتوحيد، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وأهل الناس بهذا الذين يهلون به، قال: ولبى الناس، والناس يزيدون: لبيك ذا المعارج، لبيك ذا الفواضل، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا منه، ولزم عليه الصلاة والسلام تلبيته".

ومما خالف فيه النبي صلى الله عليه وسلم المشركين: الوقوف بعرفة، وذلك أن قريشا كانت في الجاهلية تقف بالمزدلفة، يزعمون أنهم الحُمُس، وسائر العرب يقفون بعرفات، وكانت قريش تقول: نحن أهل الحرم فلا نخرج منه، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال جابر رضي الله عنه: "فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام بالمزدلفة، ويكون منزله ثمَّ كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة  قد ضربت له بنمرة فنزل بها".

ومما خالفهم فيه : الدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس، فقد كان أهل الجاهلية لا يدفعون يوم النحر من مزدلفة لمنى إلا بعد طلوع الشمس، ويقولون: "أشرقْ ثبير كي ما نُغير" وثبير: جبل بالمزدلفة، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم، فدفع قبل طلوعها، قال جابر رضي الله عنه: "ثم ركب النبي صلى الله عليه وسلم القصواء، حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعاهُ وكبرهُ وهللهُ ووحدهُ، فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا، قال: فدفع من جمع قبل أن تطلع الشمس وعليه السكينة".

ثم إنه صلى الله عليه وسلم قرر هذا الأمر في خطبته العظيمة بعرفات فقال: (ألا وإن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين موضوع) ولهذا ينبغي لأهل الإسلام أن يعتنوا ببيان التوحيد ومخالفة المشركين في الحج،  لأن بيان الحق من منافع الحج، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، وكم في بيان التوحيد والسنة، والتحذير من البدعة في الحج من فوائد ومنافع لأهل الإسلام. ومن الأمثلة على ذلك: هذا الحديث الذي خرجه الإمام مسلم في صحيحه، روى بسنده عن يزيد الفقير أنه قال: "كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد، نريد أن نحج ثم نخرج على الناس، قال: فمررنا على المدينة، فإذا جابر بن عبدالله رضي الله عنه يحدث القوم جالس إلى سرية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال يزيد: فإذا هو قد ذكر الجهنميين، قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما هذا الذي تحدثون به، والله يقول: ((إنك من تدخل النار فقد أخزيته)) ويقول: ((كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها))، فما هذا الذي تقولون؟ قال: فقال جابر رضي الله عنه: أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم، قال: فهل سمعت بمقام محمد صلى الله عليه وسلم –يعني: الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد صلى الله عليه وسلم المحمود، الذي يُخرج الله به من يُخرج، قال يزيد: ثم نعت وضع الصراط ومرَّ الناس عليه، قال: وأخاف أن لا أكون أحفظ ذلك، قال: غير أنه قد زعم أن قومًا يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: يعني فيخرجون كأنهم عيدان السماسم، قال: فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه، فيخرجون كأنهم القراطيس، قال يزيد: فرجعنا وقلنا: ويحكم، أَتُرون الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: فرجعنا، فلا والله ما خرج منا غير رجل واحد)".

وفي هذه الحادثة التي خرجها الإمام مسلم فوائد:

أولا: أن أهل البدع يستغلون موسم الحج للدعوة إلى باطلهم، كما قال يزيد: (خرجنا في عصابة ذوي عدد نريد أن نحج ثم نخرج على الناس) أي: نظهر مذهبنا في ذلك الموسم، وندعوا الناس إلى هذه البدعة، وهي بدعة الخوارج، والخوارج: هم الذين يكفرون أهل الإسلام بالكبائر، ويردون السنة بظاهر القرآن، ويستحلون دماء المسلمين.

ثانياً : على أهل السنة أن يستغلوا موسم الحج لتفقيه الناس ونشر العقيدة الصحيحة، والتحذير من البدع، كما فعل جابر بن عبدالله رضي الله عنه، فإن هؤلاء الحجاج الذين يحملون فكر الخوارج الضلال، مروا على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، فرأوا تلك الحلْقة، حلقة علم يحدث فيها جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر فيها حديث النبي صلى الله عليه وسلم، عن أناس من أهل التوحيد يدخلون جهنم بسبب ذنوب كبائر اقترفوها، ثم بعد ذلك، بعد أن يُعذبوا على قدر ذنوبهم يخرجون من النار إلى الجنة بفضل الله ورحمته ومنِّه، والخوارج يرون أن من دخل النار من الموحدين لا يخرج منها، فلما سمعوا ذلك من جابر رضي الله عنه كان سببا في رجوعهم عن مذهبهم الباطل، وتكفيرهم لأهل الإسلام.

ثالثا: في هذا الحديث بيان فضل مجالس العلم، وأن تصحيح العقيدة يكون فيها، فعلى المربين للشباب، أن يدفعوا الشباب وأن يقودوهم ويرشدوهم إلى مجالس العلم، وأما تلك الألفاظ المنفرة من العلماء ومجالسهم، فينبغي أن تجتنب، فإنها من ألفاظ الخوارج الضلال.

رابعا: خطورة مذهب الخوارج، لقول يزيد: "كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج" وشغفني أي: لصق بشغاف قلبي وهو غلافه.

خامسا: أن إحسان الظن بالعلماء سبيل للانتفاع بعلمهم، كما قال هؤلاء الذين كانوا يحملون مذهب الخوارج، لما سمعوا قول جابر بن عبدالله: "ويحكم، أترون الشيخ يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟" فلم يصدقوا ذلك، بل نزهوا جابرا عن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم وتابعوه.

سادسا: أن شباب الخوارج وشيبهم قد يرجعون إلى السنة بعد المحاورة والمجادلة بالحق، لأن الجهل غالب عليهم، فإذا سمعوا كلام العلماء، برغبة وإقبال وطلب للحق، انتفعوا بإذن الله سبحانه وتعالى.

سابعا: أن أصحاب الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كالزناة وشراب الخمر والمرابين وغيرهم، إذا دخلوا النار لا يخلدون فيها، ومذهب أهل السنة في أهل الكبائر يتخلص في أمور:

منها: أنهم لا يكفرون صاحب الكبيرة، بل يرون أنه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.

ومنها: أنهم يرون أنهم تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى، إن شاء الله عفا عنهم وإن شاء عذبهم، كما قال ربنا جل وعلا: ((إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ)).

ومن مذهب أهل السنة في أهل الكبائر: أنهم يرون أن من دخل النار من أهل الكبائر من الموحدين فإنه لا يخلد فيها، بل يخرج منها كما دل عليه هذا الدليل وغيره.

ثامنا: أن كلام العلماء والدعاة في الحج لا يقتصر على مسائل الحج، بل تُذكر معها مسائل العقيدة والتحذير من البدع المنتشرة، كما فعل جابر رضي الله عنه، فليحرص أهل العلم على التحذير في الحج من فتنة العصر فتنة الخوارج.

تاسعا: أن هؤلاء الذين خرجوا في هذه الأيام، يكفرون أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويضربون برها وفاجرها ولا يتحاشون من مؤمنها، ويستحلون دماء رجال الأمن وغيرهم، يستفاد من هذا الحديث: أن لهم أصلا وجذورا في تاريخ هذه الأمة، ومن معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر عن خروجهم كما قال: (ينشأ نشء يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلما خرج قرن قطع، كلما خرج قرن قطع، حتى عدَّ النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرين مرة، حتى يخرج في عراضهم الدجال). وفي هذا الحديث: بشارة لأهل السنة، بأنهم منصورون غالبون للخوارج، وأن هؤلاء الضلال يصاحبهم الذل بإذن الله سبحانه وتعالى.

عاشرا: أن الخوارج لا يعظمون حرمات الله، بل يجتهدون في باطلهم في الشهر الحرام والبلد الحرام، قال يزيد: "كنا نريد الحج ثم نخرج على الناس بعد ذلك"، وكانوا عصابة ذوي عدد، كلهم قد شغف برأي الخوارج، فأرادوا أن يظهروا مذهبهم، ومن يخالفهم  في ذلك ومن يرد عليهم فإنه يعادونه بل يكفرونه ويستبيحون دمه، وهذا هو طبع الخوارج، وهذا هو خلقهم، لا يعظمون حرمات الله، قد بعث الله نبيا الخاتم محمدا صلى الله عليه وسلم، بتعظيم حرمات الله وحفظ الحقوق، فسيأتي أنه عليه الصلاة والسلام في هذه الحجة خطبهم يوم عرفة فقال: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد).

ومما جاء به دين الإسلام العظيم : تعظيم الأشهر الحرم، وهي أربعة: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، ورجب مضر، الذي بين جمادى وشعبان، كما قال ربنا سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: ((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ)) وكان الناس في الجاهلية يعظمون هذه الأشهر الأربعة المحرمة، فإذا دخلت هذه الأشهر الحرم، وضعوا السلاح، ولم يتعرض أحد منهم لعدوه"، أما هؤلاء، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام في الشهر الحرام، كما في هذا التفجير الأخير في ذي القعدة.

ومما جاءت هذه الشريعة المباركة بتحريمه:  البلد الحرام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس بعد فتح مكة فقال: (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله، لا يعضد شوكه، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر صيده، ولا تحل لقطته إلا لمنشد) فإذا كان الصيد لا ينفر في البلد الحرام، فكيف بإخافة أهل الإسلام!! فكيف بترويع أهل التوحيد والسنة!! وسفك الدم الحرام في ذلك المكان!! كان الرجل يلقى قاتل أخيه أو أبيه في الجاهلية في المسجد الحرام، فلا يهيجه ولا يعرض له بسوء، أما هؤلاء، فإنهم قد انتهكوا البلد الحرام.

ومما جاءت به الشريعة من تعظيم الحرمات: ما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته بعرفات، وهي حرمة الدماء، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما)، ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وأنتم ترون ما يفعله هؤلاء الضلال.

فاحرصوا معاشر الأخيار على الدعوة إلى توحيد رب العالمين، وتحذير الناس من البدع والشركيات في هذا الموسم المبارك، فإن الناس يفدون إليكم من كل فج عميق، فعلموهم السنة، وحذروهم من الشرك والبدع المضلة، فإنها قد فشت في أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ومما يُعتنى به ويحذر منه: بدعة القبور، التي انتشرت في كثير من بلاد المسلمين، فإن المسلمين قد شغفوا بهذه الفتنة، ترى كثيرا من بلاد المسلمين وقد علت فيها القباب على القبور، يطوفون بها، ويتمسحون بعتباتها، ويدعون الأولياء من دون الله ويطلبون منهم المدد، ثم بعد ذلك، يحج أحدهم ويصرخ وينادي قائلا: لبيك لا شريك لك، وهو ينادي الولي الحسين أو عليا أو الجيلاني أو غير ذلك من الأولياء والصالحين، فعليه أن يتدبر في هذه الكلمات، التي سماها جابر رضي الله عنه بالتوحيد، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، وهذا الفعل يشابه ما كانت قريش تفعله في الجاهلية، ففي صحيح مسلم: "أنهم كانوا يطوفون بالبيت الحرام ويقولون: لبيك لا شريك لك، فيقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (قدْ قدْ) أي: حسبكم اكتفوا بهذه الكلمة المشتملة على التوحيد، ولا تزيدوا عليها شركا، قال الراوي: فيزيدون ويقولون: إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك". ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الدعاء هو العبادة)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم مبشرا من مات على التوحيد بقوله: (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل).

حجاج بيت الله الحرام، اعتنوا بتصحيح العقيدة، والبعد عن الشركيات والبدع، فإن الله سبحانه وتعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا وابتغي به وجهه، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الحجة المباركة: (اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة).

ويستفاد من حجته المباركة صلى الله عليه وسلم: بيان ما عند الصحابة الأخيار رضي الله عنهم من الرغبة فيما عند الله جل وعلا، وبيان مسارعتهم إلى الخيرات والقربات،  قال جابر رضي الله عنه: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أُذن في الناس في العاشرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج هذا العام، فقدم المدينة بشر كثير)، وفي رواية: (فلم يبق أحد يقدر أن يأتي راكبا أو راجلا إلا قدم) والراجل: هو الماشي، وهذا يدل أيضا على رغبتهم في طاعة الله ونيل مرضاته، وهذا الحرص على الخير تراه واضحا جليا في نساء الصحابة أيضا، فههي أسماء بنت عميس رضي الله عنها تخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحج، رغبة في الاقتداء به وقضاءً لما افترض الله عليها، خرجت وهي في آخر أيام حملها، قال جابر رضي الله عنه: (حتى إذا أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع؟ فقال صلى الله عليه وسلم: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي) الله أكبر، إن عزيمة كهذه لا يوجد مثلها عند كثير من النساء، والله ما منعها ثقلها ولا نفاسها من طاعة الله سبحانه وتعالى، فرق بين هذه المرأة وبين بعض نساء المسلمين، اللائي شُغلن بالقيل والقال، واللهو واللعب، والأناشيد التي يسمونها إسلامية، فانصرفت عن تعلم التوحيد والسنة والفقه في الدين، وأقبلت على هذه الأمور التي لا نفع فيها، وههي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها خشيت أن يفوتها الحج، فحزنت حزنا شديدا، قال جابر رضي الله عنه: (دخل النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها، فوجدها تبكي فقال: ما شأنك؟ قالت: شأني أني قد حضت، وقد حلَّ الناس ولم أحلل، ولم أطف بالبيت، والناس يذهبون إلى الحج الآن، فقال صلى الله عليه وسلم: إن هذا أمرٌ كتبه الله على بنات آدم، فاغتسلي ثم أهلي بالحج، ثم حجي واصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفوا بالبيت ولا تصلي).

وكل هذا يدل على فضل أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد خرجوا معه صلوات الله وسلامه عليه، واقتدوا به، ورغبوا في الخير وتعبوا من أجل ذلك، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، ثم نقلوا هذا العلم المبارك إلى الأمة، فحفظ الله عز وجل بهم الدين. ولذلك يا حجاج بيت الله الحرام، يا أهل السنة، إن محبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أصل من أصول العقيدة، فالصحابة لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم، أبوبكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النصوص تشملهم كلهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الأنصار: (لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق).

ومن أصول أهل السنة: أنهم يمسكون عما شجر بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يمسكون عن الخوض في الفتنة التي وقعت بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، ويرون أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم  مجتهدون في ذلك، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد، ويمسكون عن الوقيعة في أحد منهم، يقول أبو حاتم الرازي وهو من أجلِّ شيوخ الإمام مسلم: "إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق"، وكان السلف رضي الله عنهم يبينون لكم يا أهل السنة كيف يدخل عليكم أهل البدع ويلبسون على عوامكم، يقول بعض السلف وهو أبو توبة الحلبي: "معاوية ستر لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا كشف الرجل الستر اجترأ على ما وراءه" ومعنى ذلك: أن أهل البدع يتكلمون أولا في معاوية صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، الذي وردت بفضله النصوص، فمن ذلك: أنه كان كاتب الوحي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، واستأمنه النبي صلى الله عليه وسلم على وحي رب العالمين. ومن ذلك: أنه صهر النبي صلى الله عليه وسلم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج أخته أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، ومنها: أنه يوصف بأنه خال المؤمنين. ومنها: أن النصوص في فضائل الصحابة تشمله رضي الله عنه وأرضاه. وصفه ابن عباس رضي الله عنهما بقوله: "إنه فقيه، نفع الله  عز وجل به أهل الإسلام"، فما وقع من تلك الأمور، لا ينبغي لأحد أن يستدل به على الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، سئل ابن المبارك رضي الله عنه: أيهما أفضل عمر بن عبدالعزيز الذي كان يوصف بالخليفة الراشد الخامس أو معاوية؟ فقال ابن المبارك رضي الله عنه: "لغبار في أنف معاوية مع النبي صلى الله عليه وسلم خير من أيام عمر بن عبدالعزيز، كيف تساوي رجلا صحب النبي صلى الله عليه وسلم برجل لم يصحبه". وسئل ابن المبارك عن معاوية رضي الله عنه فقال: "ما أقول في رجل صلى خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (سمع الله لمن حمده) فقال هو: ربنا ولك الحمد؟"، فنحن ندين الله حجاج بيت الله الحرام بمحبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وبمحبة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا نرفعهم فوق منزلتهم، فلا ندعوهم من دون الله جل وعلا، ولا نزعم أن لهم مقاما لم يبلغه نبي مرسل ولا ملك مقرب، بل نحفظ فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) وقد ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أرقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته".

ويرى أهل السنة: أن أفضل الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم: أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ثم بقية أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، على ترتيب تعلمهم إذا رجعت إلى كتب أهل السنة، كالعقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرها من كتب أهل السنة النافعة، التي يتبين لك بعد قراءتها توحيد رب العالمين، ككتاب التوحيد للإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب وثلاثة الأصول والقواعد الأربع وشروحها، وغير ذلك من الكتب النافعة.

يا معاشر المؤمنين، من فوائد هذه الحجة المباركة –حجة الوداع وحجة البلاغ وحجة الإسلام-: تبين فيها حرصه صلى الله عليه وسلم على تعليم أمته، وتبليغه شرع الله في مواضع مختلفة، وهذا هو الذي بعثه الله به، قال الله جل وعلا: ((مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ))، وقال سبحانه وتعالى: ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ))، فقد نقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه خطب الناس في حجته، في مواضع كثيرة، لبيان المناسك وأحكام دين الله، وقواعد الشريعة، ومنها عرفة، قال جابر رضي الله عنه: (حتى إذا زاغت الشمس –يعني: يوم عرفة- أمر صلى الله عليه وسلم بالقصواء فرحلت له، فركب حتى أتى بطن الوادي، فخطب الناس وقال: إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي هاتين موضوع). وكان الناس يسألونه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع عما يشكل عليهم في مناسكهم، وكان هو يجلس لهم من أجل ذلك، قال جابر رضي الله عنه: (نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحلق وجلس بمنى يوم النحر للناس، فما سئل يومئذ عن شيء قدم قبل شيء إلا قال: لا حرج، لا حرج). وكان صلى الله عليه وسلم يحرص أن يراه الناس ليسأل من أراد التفقه في دينه، قال جابر رضي الله عنه: (طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع على راحلته، يستلم الحجر بمحجنه، لِئَن يراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس غشوه). ولم يكن أحد يُمنع من مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسؤاله، كان الناس يسألونه، الرجال والنساء، فعن جابر رضي الله عنه قال: (رفعت امرأة صبيا لها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت:  يا رسول الله، ألهذا حج؟ قالت: نعم ولك أجر). وهذه المواقف كلها تفيد، أن حجاج بيت الله الحرام بحاجة إلى من يعلمهم ويبصرهم بحدود الله جل وعلا، ومن أعطاه الله بسطة في العلم فلا يبخل بعلمه، فإن كثرة أخطاء الحجاج من قلة التعليم، وكذلك يحرص طالب العلم على تعليم الناس أحكام بقية العبادات، فإنه خير من إشغالهم بالسياسة وأمور هي من خصوصيات ولاة الأمر والعلماء، وإنك تعجب من بعض الناس، قد منَّ الله عليه بالعلم، لكنه يبخل بعلمه ويحجب عن نفع الناس، وإنكار المنكر، وبيان الحق لهم بدعوى الورع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من دل على خير فله مثل أجر من فعله)، وكل هذا يدل على هديه صلى الله عليه وسلم في تعليم الناس أحكام دينهم وما يحتاجون إليه.

فالواجب على الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى أن يحرصوا على هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الدعوة مما جاءت به هذه الشريعة، قال الله جل وعلا: ((ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))، وبعث الله سبحانه وتعالى الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

ولكن يا معاشر الحجاج،  ما هي دعوة النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم؟ إن دعوة محمد بن عبدالله سيد ولد آدم ومن قبله من الأنبياء تقوم على أساس عظيم، هو مفتاح دعوة الرسل كلهم، ذكره الله جل وعلا في قوله: ((وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ))، إن مما ابتليت به أمة الإسلام في هذه الأزمان المتأخرة، ظهور تلك الجماعات المحدثة التي تزعم أنها إسلامية، تسنمت أو قادت الأمة في الدعوة إلى الله جل وعلا، أو قادت بعضها فترات من الزمن، لكنها جنحت وبعدت عن هدي السلف في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فركزت على السياسة وبعدت عن تصحيح عقائد المسلمين، فترى في أتباعهم من يدعو غير الله جل وعلا، بل إذا قرأت كتب منظريهم وكتب من أنشؤوا هذه الجماعات، والله إنك  لترى في مذكراتهم وفي كتاباتهم، تراهم يدعون غير الله سبحانه وتعالى، ويخرجون أياما فيطوفون حول القبور بدعوى تأليف القلوب قلوب الأتباع، وترى منهم من يزعم أن جماعته هذه، أنشأها على طريقة من الطرق الصوفية، ويشهد عليه أتباعه بأنه مازال مواظبا على أذكارها وأورادها وعقائدها إلى أن مات، هكذا غدروا بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فصرفوا عوام المسلمين عن الدعوة الحق، ودعوة التوحيد، تصحيح العقيدة والدعوة إلى توحيد رب العالمين، والتحذير من البدع والشركيات، إلى تلك الجماعات التي قامت على  مذهب الحرورية الخوارج، فنفروهم من أهل العلم بدعاوى كثيرة باطلة، ولكن ولله الحمد والمنة كما يقال: رب ضارة نافعة، وخير من ذلك قول ربنا جل وعلا: ((لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)) لقد تبين لكثير من العامة أن الخير والهدى والصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة، بمتابعة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحرص على التوحيد والسنة، ومحاربة البدع والشرك، إلى غير ذلك من الأهواء المضلة، وتبين لهم أن أولئك الذين يزجون بالشباب في مواجهات ومصادمات مع حكوماتهم، بدعوى الغيرة على الدين وإنكار المنكر، أنهم مخالفون لهدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلم يكن من هدي السلف رضي الله عنهم تهييج الناس وتحريضم على بلاد المسلمين وعلمائهم وولاة أمرهم، بل يلتزمون ويعملون بقوله صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه).


ما رأيكم في الموقع ؟