سيرة أبي بكر الصديق
   عدد المشاهدات : 8012

الحمد لله الواحد القهار، يخلق ما يشاء ويختار، أورث الكتاب من اصطفى من عباده، ((فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ))، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اصطفاه الله واختاره فجعله خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم، واختار أصحابه من بين الناس، فجعلهم خير القرون، وشرفهم بصحبة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فرضي الله عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنهم وأرضاهم، كم جاهدوا في سبيل الله بالأموال والأنفس، فارقوا الأوطان والولدان، نصرة للدين وهجرة إلى الله ورسوله، ومن هؤلاء رجل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحب الرجال إليه، وأجمع أهل السنة، على أنه خير هذه الأمة، بعد رسولها محمد صلى الله عليه وسلم، إنه الصديق أبوبكر، هو عبدالله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي، أبوبكر الصديق بن أبي قحافة، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وُلد أبو بكر بمكه بعد عام الفيل بعامين وستة أشهر على ما قاله الحافظ ابن حجر، وصفه النبي صلى الله عليه وسلم أنه عتيق الله من النار، فغلب عليه اسم العتيق، ووصفه بالصديق عقب حادثة الإسراء والمعراج، إذ صدقه حين كذبه المشركون وارتاب المبطلون، وقد اشتهر رضي الله عنه في الجاهلية بحميد الأخلاق وحسن المعاشرة، وامتناعه عن شرب الخمر، وعلمه بأنساب العرب وأخبارها، واشتهر بالإسلام بسابقته إلى الدين، وجهوده العظيمة في الدعوة إليه، حيث أسلم على يده عدد من كبار الصحابة، كعثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبدالرحمن بن عوف وطلحة بن عبيدالله.

كان أبوبكر موضع مشورة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد صاهره بأن تزوج ابنته عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ولما تولى الخلافة، أظهر قدرة فائقة على إدارة شؤون الدولة، التي تعرضت للانقسام الخطير، بسبب ظهور المرتدين، فأعاد للدولة وحدتها وأمنها، ووجه طاقاتها للجهاد في سبيل الله وفتح بلاد العراق والشام، وكانت الرحمة تغلب على آرائه رضي الله عنه، فقد أشار بقبول المفاداة من أسرى بدر، وكانت السكينة تملأ نفسه، وقد ثبت الله به الناس في حادثة وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الحزم، ومضاء العزيمة، عنوان سياسته، كما في موقفه من حركة المرتدين.

توفي أبوبكر الصديق رضي الله عنه وعمره ثلاث وستون سنة، في جمادى الآخرة من سنة ثلاثَ عشرةَ من الهجرة، وكانت مدة خلافته سنتين ونصف السنة، فرضي الله عنه وأرضاه.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس ويخبرهم بفضل صاحبه أبي بكر ويشهد له بذلك، ففي البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في مرضه الذي مات فيه عاصبًا رأسه بخرقه، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (إن ليس من الناس أحد أمنَّ عليَّ بنفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذًا من الناس خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن خلة الإسلام أفضل، سدوا كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر) والخوخة: باب صغير يدخل منه إلى المسجد.

كان أبو بكر أعلم الصحابة وخيرهم، باذلاً ماله في سبيل الله جل وعلى، ففي البخاري من حديث أبي سعيد رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ذلك العبد ما عند الله، قال: فبكى أبا بكر، فعجبنا لبكائه، أن يخبر رسول الله صلي الله عليه وسلم عن عبد خير، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم  هو المخير، وكان أبوبكر أعلمنا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أمنَّ الناس عليَّ بصحبته وماله أبا بكر).

شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالأخوة والصحبة، فقد حدث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكنه أخي وصاحبي) رواه مسلم.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرح بحبه لأبي بكر، ويعلم الناس بذلك، فههو عمرو بن العاص رضي الله عنه يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه على جيش ذات السلاسل قال: (فأتيته فقلت: أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ قال: أبوها) يعني: أبي بكر، خرجه البخاري ومسلم.

وهكذا الصحابة رضي الله عنهم، كانوا يرون أبا بكر أفضلهم وخيرهم ويعلنون ذلك، فيقره النبي صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح الإمام البخاري، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كنا نُخير بين الناس زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم) وفي رواية: (كنا لا نعدل بأبي بكر أحدًا ثم عمر ثم عثمان).

وكان علي رضي الله عنه يقر بذلك لأبي بكر، ففي البخاري: أنه سأل أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: (أبو بكر، قيل: ثم من؟ قال: عمر) فرضي الله عنهم أجمعين.

لما لا يستحق أبو بكر ذلك، وهو السبَّاق إلى الإسلام، فقد صحح ابن كثير رحمه الله، أن أبا بكر أول من أسلم من الرجال الأحرار، قال عمار رضي الله عنه: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبوبكر) خرجه البخاري في صحيحه، وعند مسلم من حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه أنه قال: (كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فصعدت على راحلتي فقدمت إليه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيًا جرآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت: ما أنت؟ قال: أنا نبي، قلت: وما نبي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أرسلني الله، قلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يوحد الله لا يُشرك به شيئًا، قلت: ومن معك على هذا الأمر؟ فقال: حر وعبد، قال: ومعه يومئذ أبوبكر وبلال ممن آمن معه)، وعند البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبوبكر صدق، وواساني بنفسه وماله).

ولم يكن أبوبكر يمنُّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قدم وأنفق، فقد روى أحمد في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما نفعني مال قط ما نفعني مال أبي بكر، فبكى أبوبكر وقال: هل أنا ومالي إلا لك يا رسول الله).

كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنافسون ويتسابقون إلى الخيرات، لكنَّ أبا بكر كان هو السابق، شهد له بذلك الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فههو يقول: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ فقلت: مثله، قال: وأتى أبوبكر بكل ما عنده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيت لهم الله ورسوله، فقال عمر: لا أسابقك إلى شيء أبدًا) رواه أبو داود والترمذي وقال: "حسن صحيح".

في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحد وأبوبكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال صلى الله عليه وسلم: (اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)، وقال صلى الله عليه وسلم: (أبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة، من الأولين والآخرين، إلا النبيين والمرسلين) ذكره في صحيح الجامع.

إن كان أبوبكر رضي الله عنه قد نصر الدين بماله فوالله وتالله وبالله لقد نصره بنفسه أيضًا، فقد شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لقد كان يدافع وحده عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويدفع عنه أذى صناديد قريش، روى البخاري عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه، أنه سئل عن أشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (بين النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنق النبي صلى الله عليه وسلم، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبوبكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله).

وأما حادثة الهجرة فقد كان لأبي بكر فيها مواقف شريفة، قريشٌ بفخرها وعنادها ومحادتها تسعى لمنع النبي صلى الله عليه وسلم من الخروج من مكة، وتحيط ببيته لتقتله، وتجعل لمن يأتي به حيًّا أو ميِّتًا مائة من الإبل، وفي هذه السويعات العصيبة، ظهرت شجاعة أبي بكر ونصرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي عادته، كان أبوبكر قد تجهز للهجرة إلى المدينة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (على رسلك، فإني أرجو أن يؤذن لي، فقال أبوبكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟ قال: نعم، فحبس أبوبكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة: فبينا نحن يومًا جلوسٌ في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعًا في ساعة لم يكن يأتيها فيها، فقال أبوبكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر، قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذن فأُذن له فدخل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: إني قد أذن لي بالخروج –يعني: الهجرة- فقال أبا بكر رضي الله عنه: الصحابة بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: نعم، قال أبوبكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بالثمن، قالت عائشة: فجهزناهما حقَّ الجَهَاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاق، رضي الله عن أبي بكر وآل بيته الكرام، ورفع درجاتهم في المهديين، فقد نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم يعلمون أنهم بذلك يستجلبون عداوة قريش، وما كان هذا ليصدهم عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أبو بكر في هذه الرحلة المباركة يخاف على النبي صلى الله عليه وسلم، ويحوطه ويخشى أن يصيبه أذى، قال رضي الله عنه: (ارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك على فرس له، فقلت: هذا فرس قد لحقنا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تحزن إن الله معنا) والله ما كان أبوبكر يخاف على نفسه، إنما كان يخشى أن يصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أحد أعظم عندي يدًا من أبي بكر، واساني بنفسه وماله، وأنكحني ابنته)، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما لأحد عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "ومن أعظم مناقبه: قول الله تعالى: ((إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا))، قال: ولم يَشركه أحد في هذه المنقبة غيره".

ولقد كان أهل الجاهلية يعرفون فضل أبي بكر وكرَمه، فقد روى البخاري: (أن أبا بكر خرج مهاجرًا إلى الحبشة لما اشتد أذى قريش للمؤمنين، فلقيه ابن الدغنة -وهو من ساداة العرب- فقال: إن مثلك يا أبا بكر لا يَطرد ولا يُطرد، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق).

وقد كان رضي الله عنه أوَّاهًا بكاءً، دل على ذلك ما في البخاري: (أنه رضي الله عنه ابتنى مسجدًا بفناء داره بمكة، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيجتمع عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبوبكر رجلاً بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، وسعوا في منعه، وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مرضه: (مروا أبا بكر يصلي بالناس، فقالت عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يُسمع الناس من البكاء، وقالت: إنه رجل رقيق، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس).

لقد كان لأبي بكر منزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان يغضب له، ويُظهر حبه، وكانت البشائر تأتيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أصبح منكم اليوم صائما؟ فقال أبوبكر: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبوبكر: أنا، قال: فمن أطعم اليوم منكم مسكينًا؟ قال أبوبكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ فقال أبوبكر: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة)، وفي الصحيحين أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا أبوبكر يستأذن، فقال صلى الله عليه وسلم: إئذن له وبشره بالجنة)، وفي البخاري أن أبا بكر قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن أحد شقيًّ يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنك لست تصنع ذلك خيلاء).

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم صاحبه أبا بكر على غيره، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض قال: (مرُوا أبا بكر يصلِّ بالناس)، وعند النسائي عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فأتاهم عمر فقال: ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمَر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ قالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر"، وصح عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "لأن أُقَدم فتضرب عنقي، أحبُّ إليَّ من أن أتقدم قومًا فيهم أبوبكر رضي الله عنه"، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى استخلاف أبي بكر، ففي البخاري: (أن امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك؟ -كأنها تقول الموت- فقال صلى الله عليه وسلم: إن لم تجديني فأتي أبا بكر).

قال الحافظ ابن كثير: "فصل في ذكر أمور مهمة وقعت بعد وفاته وقبل دفنه صلى الله عليه وسلم، ومن أعظمها وأجلها وأيمنها بركة على الإسلام وأهله: بيعة أبي بكر الصديق" انتهى كلامه رضي الله عنه، وهو صدق وحق، وصحيح ومليح.

ومن المواقف العظيمة التي سجلها التأريخ لأبي بكر: ثباته عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وأبوبكر بالسُنْح، فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وقال عمر: والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، قالت: فجاء أبوبكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقبله وقال: بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا، والذي نفسي بيده، لا يذيقك الله الموتتين أبدا، ثم خرج رضي الله عنه فقال: أيها الحالف على رسلك، فلما تكلم أبوبكر جلس عمر، فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كان يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وتلى قوله جل جلاله:  ((أنك ميت وإنهم ميتون))، وقوله سبحانه: ((وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين))، قالت: فنشج الناس يبكون، وعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات".

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكرم صاحبه أبا بكر ويأمر بإكرامه، وينهى عن إيذائه، قال أنس رضي الله عنه: (جاء أبوبكر بأبيه أبي قحافة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة يحمله، حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: لو أقررت الشيخ في بيته لأتيناه مكرمة لأبي بكر) رواه أحمد وصححه ابن حبان.

رضي الله عن أبي بكر وأرضاه، فقد كان وقافا عند كتاب الله جل جلاله، لا يحمله الغضب على مخالفة القرآن، فههو قريبه مسطح بن أثاثة يقع في عائشة ابنته، ويقول في حادثة الإفك ما أغضب أبا بكر، فقالت عائشة رضي الله عنها: "لما أنزل الله براءتي، قال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله: ((وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ))[النور:22] قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى النفقة التي كان ينفق على مسطح وقال: والله لا أنزعها منه أبدا" خرجه البخاري.

ومن ورعه رضي الله عنه وخوفه من أكل المال الحرام ما حدثت به عائشة رضي الله عنها قالت: "كان لأبي بكر غلام يُخرج له الخراج، وكان أبوبكر يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبوبكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبوبكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته، فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه، قالت عائشة: فأدخل أبوبكر يده فقاء كل شيء في بطنه" رواه البخاري.

ومن أعظم ما يبين فضله رضي الله عنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقتدوا بالذين من بعدي من أصحابي أبي بكر وعمر) ذكره في صحيح الجامع.

وإليك دررا من كلام السلف في تفضيل أبي بكر والثناء عليه، ملتقطة من كتاب فضائل الصحابة للإمام أحمد بن حنبل، رواها بالأسانيد الصحيحة.

قالت عائشة رضي الله عنها: "قُبض النبي صلى الله عليه وسلم، فارتدت العرب، واشرأب النفاق بالمدينة، فلو نزل بالجبال الرواسي ما نزل بأبي لهاضها –أي: كسرها- فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها وعنائها في الإسلام"، وقال سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه: "والله لموقف رجل، أو مشهد رجل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يغبر فيه وجهه أفضل من عبادة أحدكم عمره -وفي رواية: أفضل من عمل أحدكم ولو عُمِّر عمر نوح"، وقال بكر بن عبدالله: "إن أبا بكر لم يفضل الناس بأنه كان أكثرهم صلاة وصومًا، وإنما فضلهم بشيء كان في قلبه"، وقال عبدالرزاق: "والله ما انشرح صدري قط أن أفضل عليًّا على أبي بكر وعمر، ورحمة الله على أبي بكر وعمر، ورحمة الله على عثمان، ورحمة الله على علي، ومن لم يحبهم فما هو بمؤمن، وإن أوثق أعمالنا: حبنا إياهم أجمعين، رضي الله عنهم أجمعين"، وروى أحمد أن عمر رضي الله عنه ذكر أبا بكر وهو على المنبر فقال: "إن أبا بكر كان سباقا مبرزا"، وعن مجاهد قال: "كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود لا يتحرك، وحُدثت أن أبا بكر كان كذلك، قال: وكان يقال ذلك الخشوع".

عباد الله، من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أبي بكر الصديق، قال رحمه الله: "بيان السنة وفضائل الصحابة وتقديمهم الصديق والفاروق من أعظم أمور الدين، وقال: أفضل أولياء الله من هذه الأمة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وأمثالهم من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، وكان أبوبكر أقرب الناس إلى رسول الله وأولاهم به، وأعلمهم بمراده لما يسألونه عنه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم بالكلام العربي الذي يفهمه الصحابة، ويزداد الصديق بفهم آخر يوافق ما فهموه ويزيد عليهم ولا يخالفه، مثل ما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم ذكر عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة، فاختار ذلك العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر، فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر عبدًا مطلقًا، وهذا كلام عربي لا لغز فيه، ففهم الصديق لقوة معرفته بمقاصد النبي صلى الله عليه وسلم أنه هو العبد المخير، وذكر أنه لم يُحفظ لأبي بكر قول مخالف للنص، قال: وهذا يدل على غاية البراعة، وقال: فالصحابة في زمن أبي بكر لم يكونوا يتنازعون في مسألة إلا فصلها بينهم أبو بكر وارتفع النزاع، كتنازعهم في وفاته صلى الله عليه وسلم ومدفنه، وفي ميراثه، وفي تجهيز جيش أسامة، وقتال مانعي الزكاة، وغير ذلك من المسائل الكبار، بل كان الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، يعلمهم ويقومهم، ويبين لهم ما تزول معه الشبهة، فلم يكونوا معه يختلفون، ونقل عن بعض السلف قوله: "حب أبي بكر وعمر إيمان، وبغضهما نفاق". وقال عبدالله بن مسعود: "حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة، أي: من شريعة النبي صلى الله عليه وسلم التي أمر بها فإنه قال: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)، ولهذا كان معرفة فضلهما على من بعدهما واجبًا لا يجوز التوقف فيه، وكان سفيان يقول: "من فضل عليًّا على أبي بكر فقد أزرى بالمهاجرين، وما أُرى أنه يصعد له إلى الله عمل وهو مقيم على ذلك"، وقال ابن تيمية: "القدح في خير القرون الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم قدح في الرسول، كما قال الإمام مالك وغيره من أئمة العلم: "هؤلاء طعنوا في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحـًا لكان أصحابه صالحين".

وقد سئل فضيلة الشيخ صالح بن فوزان حول الأشرطة التي تتحدث عمَّا شجر بين الصحابة، يقول السائل: ظهر في الآونة الأخيرة أشرطة تتكلم عن الصحابة رضوان الله عليهم، وما وقع بينهم من الفتن، التي يسمعها العامي وغير العامي، فهل في هذا خرق لإجماع أهل السنة بالإمساك عما شجر بين الصحابة؟ وما حكم سماعها وبيعها وشرائها؟ فأجاب فضيلته بقوله: "هذه الأشرطة لا يجوز ترويجها ولا بيعها ولا شراؤها، بل يجب منعها، لأنها تشكك الجهال في حق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز الكلام في هذه الأمور ونشر ذلك بين الناس، لأن من عقيدة أهل السنة: الإمساك عما شجر بين الصحابة، فلا يدخلون في ذلك ولا يبعثونه من جديد، ولا يروجونه بين الناس، خصوصًا بين العوام والجهال، والذي سجل هذه الأشرطة ليس من أهل العلم فيما بلغنا، ولا يعرف الصحيح من غير الصحيح، ولو كان من أهل العلم ما سجل هذا، لأن أهل العلم يمتنعون عن هذا".

اللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام...


ما رأيكم في الموقع ؟