ألا إن نصر الله قريب
   عدد المشاهدات : 3676

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ))، ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً))، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)).

أما بعد، يقول الله تعالى: ((يا أيها النبي إنا أرسلنك شاهداً ومبشراً ونذيرا))، قال أبوهريرة رضي الله عنه: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الفأل الحسن ويكره التطير)، فالفأل فيه تقوية للعزم، وبعث على الجد، ومعونة على الظَفَر، وخير الفأل الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم.

لقد كان النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم يبشر هذه الأمة، وتأتيه البشائر من ربه جل جلاله، ففي صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت فيما يرى النائم كأن في داري عقبة بن رافع، فؤتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأنّ ديننا قد طاب)، في مسند الإمام أحمد من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بشر هذه الأمة بالسناء والدين، والرفعة التمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب)، وبشارة أخرى في مسند الإمام أحمد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة).

بل لقد كان سيد ولد آدم صلوات الله وسلامه عليه يبشر هذه الأمة بالعز والنصر والتمكين، حتى في زمن الشدة والكرب، ففي يوم الأحزاب وما أدراك ما يوم الأحزاب، الذي قال فيه ربنا جلّ جلاله: ((إذ جاؤكم من فوقكم وأسفل منكم واذ زاغت الأبصر وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاَ شديداً))، في تلك اللحظات، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بفتح بلاد فارس والروم، فكان المنافقون يقولون: "أحدنا لا يقدر أن يذهب لقضاء حاجته إلا بالسلاح، وهذا يبشر بكنوز كسرى وقيصر"، ((ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ما زادهم إلا إيماناً وتسليماً))، فلا تيأسوا معاشر المؤمنين من روح الله، فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون.

لقد وعد الله بإظهار هذا الدين، ورفع أهله في الدنيا والآخرة، وقوله جل جلاله حق، ووعده حق، لا ريب في ذلك ولا شك.

إن البشار بنصر هذا الدين والتمكين لأهله كثيرة بحمد الله تعالى، نعم، لقد دل القرآن والسنة، وتاريخ الأمة، وسنن الله الكونية، على أن الغلبة والعاقبة لأهل الإسلام ولو كره الكافرون.

فمن البشائر في كتاب الله: قول ربنا: ((يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون))، ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون))، وقال ربنا جلّ وعلا: ((لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلّقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون))، الله أكبر، لقد وعد الله رسوله والمؤمنين بفتح مكّة، والنصر على صناديد قريش سادة العرب، فحقق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فدخل مكة فاتحًا منصورًا مؤيدًا، وكسّر الأصنام حول الكعبة وهو يتلو قوله جل وعلا: ((وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً)).

ومن البشائر في الكتاب الكريم: قوله تعالى: ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصلحت ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً))، قال الحافظ ابن كثير: "هذا وعد من الله تعالى لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، بأنه سيجعل أمته خلفاء الأرض، أي: أئمة الناس والولاة عليهم، وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا وحكمًا في الناس، وقد فعله تبارك وتعالى وله الحمد والمنة، فإنه صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى فتح الله عليه مكة وخيبر والبحرين وسائر جزيرة العرب وأرض اليمن بكمالها، وأخذ الجزية من مجوس هجر، ومن بعض أطراف الشام، ثم لمّا مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، اختار الله له ما عنده من الكرامة، قام بالأمر بعده خليفته أبوبكر الصديق، فلمّا شعث ما ظهر بعد موته صلى الله عليه وسلم، وأطد جزيرة العرب ومهدها، وبعث الجيوش الإسلامية إلى بلاد فارس صحبة خالد بن الوليد رضي الله عنه، ففتحوا طرفًا منها، وقتلوا خلقًا من أهلها، وجيشًا آخر صحبة أبي عبيدة رضي الله عنه ومن اتبعه من الأمراء إلى أرض الشام، وثالثًا صحبة عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى بلاد مصر، ففتح الله للجيش الشامي في أيامه بصرى ودمشق ومخالفهما، وتوفاه الله واختار له ما عنده من الكرامة، ومنَّ على أهل الإسلام بأن ألهم الصديق أن يستخلف عمر الفاروق رضي الله عنه، فقام بالأمر بعده قيامًا تامًا، لم يدر الفلك بعد الأنبياء على مثله، في قوة سيرته، وكمال عدله، وتم في أيامه فتح البلاد الشامية بكمالها، وديار مصر إلى آخرها، وتم فتح أكثر إقليم فارس، وكَسَر كسرى وأهانه غاية الهوان، وتقهقر إلى أقصى مملكته، وقَصَر قيصر، وانتزع يده عن بلاد الشام، فانحدر إلى القسطنطينية، وأنفق أموالهما في سبيل الله، كما أخبر بذلك ووعد به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لـمّا كانت الدولة العثمانية، امتدت المماليك الإسلامية إلى مشارق الأرض ومغاربها، فرضي الله عن عثمان وأرضى عنه"، قال الحافظ ابن كثير: "وها نحن نتقلب فيما وعدنا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وصدق الله ورسوله، فنسأل الله الإيمان به وبرسوله، والقيام بشكره على الوجه الذي يرضيه عنّا".

وأمّا البشائر في سنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم فكثيرة منها:

أولاً: وعده صلى الله عليه وسلم، بزوال الشدّة عن أهل الإسلام وإتمام هذا الأمر، فعن خباب بن الأرتِّ رضي الله عنه أنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوّسدٌ بردةً وهو في ظل الكعبة، قد لقينا من المشركين شدّة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو لنا؟! فقعد وهو محمر وجهه فقال: لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظمه من لحمٍ أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمِّنَّ الله هذا الأمر، حتى يسر الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون).

ثانياً: البشارة بكثرة أهل الإسلام، وبلوغه مشارق الأرض ومغاربها، فعن تميم الداري رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله هذا الدين، بعز عزيزٍ أو بذل ذليل، عِزًّا يعِز الله به الإسلام، وذُلاًّ يذل الله به الكفر) رواه الإمام أحمد وصححه العلاّمة الألباني. وفي حديث ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُويَ لي منها) رواه مسلم.

ثالثًا: بشارته صلى الله عليه وسلم بفتح بلاد النصارى، ففي المسند من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أنه قال: (بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سئل: أي المدينتين تفتح أولاً، أقسطنطينية أو رومية؟ فقال صلى الله عليه وسلم: مدينة هرقل تفتح أولاً) يعني: قسطنطينية.

رابعًا: من المبشرات ظهور المجددين في كل قرن، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها) رواه الإمام أبو داود في سننه. قال ابن القيم رحمه الله: "ولولا ضمان الله أن يحفظ دينه، وتكفله بأن يقيم له من يجدد أعلامه، ويحيي منه ما أماته المبطلون، وينعش ما أهمله الجاهلون، لـهُدمت أركانه، وتداعى بنيانه، ولكن الله ذو فضل على العالمين".

خامسًا: من المبشرات بقاء الطائفة الناجية المنصورة، فعن معاوية رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس).

سادسًا: بشارته صلى الله عليه وسلم ببقاء الخيرية في هذه الأمة وعدم انقطاعها، فعن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مثل أمتي مثل المطر، لا يُدرى أوله خيرٌ أم آخره) رواه الإمام أحمد وصححه العلاّمة الألباني.

سابعًا: بشارة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بانتصار المسلمين على أعدائهم اليهود، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقوم الساعة، حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود).

عباد الله، يقول الله سبحانه وتعالى: ((وما أصابكم يوم التقى الجمعن فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا))، قال ابن القيم رحمه الله: "إن ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم وقهرهم، وكسرهم لهم أحيانًا، فيه حكمةٌ عظيمةٌ لا يعلمها على التفصيل إلا الله عز وجل.

فمنها: استخراج عبوديتهم وذلهم لله، وانكسارهم له، وافتقارهم إليه، وسؤاله نصرهم على أعدائهم، فلو كانوا دائمًا منصورين ظاهرين غالبين لأشِروا، ولو كانوا دائمًا مقتولين مغلوبين منصورًا عليهم عدوهم لما قامت للدين قائمة، ولا كانت للحق دولة، فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرَّفهم بين غلبهم تارة وكونهم مغلوبين تارة، فإذا غلبوا تضرعوا إلى ربهم وأنابوا إليه، وخضعوا له وانكسروا له، فتابوا إليه، وإذا غلبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوهم ونصروا أوليائه.

ومنها –أي: من الحكم في ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم-: أنهم لو كانوا دائمًا منصورين غالبين قاهرين، لدخل معهم من ليس قصده الدين ومتابعة الرسول، فإنه إنما يمضاه إلى من له الغلبة والعزة، ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائمًا لم يدخل معهم أحد، فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدولة تارة، وعليهم تارة، فيتميز بذلك من يريد الله ورسوله، ومن ليس له مرادٌ إلا الدنيا والجاه.

ومنها: أنه سبحانه يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإِدالة عليهم، فلله سبحانه على العباد في كلتا الحالين عبودية بمقتضى تلك الحال، لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم القلب بدونها، فتلك المحن والبلايا شرط في حصول الكمال الإنساني والاستقامة المطلوبة منه.

ومنها: أن امتحانهم بإدالة عدوهم عليهم، يمحصهم ويخلصهم ويهذبهم، كما قال تعالى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أحد: ((إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا منكم ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظلمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكفرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلم الصبرين))، فذكر سبحانه أنواعًا من الحكم التي لأجلها أُديل عليهم الكفار، فأخبر أنه فعل ذلك ليعلم المؤمنين منهم -وهو سبحانه بكل شيء عليم- قبل كونه وبعد كونه، لكنه أراد أن يعلمهم موجودين مُشاهدَين، فيعلم إيمانهم واقعًا، ثم أخبر أنه يحب أن يتخذ منهم شهداء، فإن الشهادة درجة عالية جليلة، ومنزلة رفيعة، لا تُنال إلا بالقتل في سبيله، فلولا إدالة العدو لم تحصل الشهادة التي هي من أحب الأشياء إليه وأنفعها للعبد، ثم أخبر سبحانه أنه يريد تمحيص المؤمنين، أي: تخليصهم من ذنوبهم، بالتوبة والرجوع إليه، والاستغفار من الذنوب التي أديل بها عليهم العدو، وأنه مع ذلك، يريد أن يمحق الكافرين ببغيهم وطغيانهم وعدوانهم إذا انتصروا، ثم أنكر عليهم حسابنهم وظنهم دخول الجنة بغير جهاد ولا صبر، وأن حكمته جل جلاله تأبى ذلك، فلا يدخلونها إلا بالجهاد والصبر، ولو كانوا دائمًا منصورين غالبين، لما جاهدهم أحد، ولما ابتلوا بما يصبرون عليه من أذى عدوهم، فهذا بعض حكمه في نصرة عدوهم عليهم وإدالته في بعض الأحيان.

ألا وإن من البشائر ولله الحمد والمنة : ما يُرى هذه الأيام، من إقبال الأمة عربها وعجمها على هذه الدعوة السلفية المباركة، دعوة الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب،ونبذها للدعوات والجماعات البدعية المشبوهة، التي فرقت أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فظهر -ولله الحمد- حرص الناس على أصل الأصول وهو التوحيد، وفرحهم بالسنة، وحرصهم على التفقه في منهج السلف الصالح، وظهر أيضًا حذرهم من أهل الريب والفتن والأهواء، ولكن يا معاشر المؤمنين، ما كل من رفع راية الدعوة السلفية يُصدق، فإن أهل البدع كالأشاعرة، يزعمون أنهم أهل السنة والجماعة، وكذلك الخوارج وغيرهم يزعمون ذلك، فهل يُصدقون في دعواهم وهم للسلف الصالح مخالفون؟ لا لا، ولا كرامة، وكذلك السلفية يدعيها من يخالف فعله قوله، فاحذروا أدعياء السلفية فإنهم قطاع طريق، الله أكبر، كيف يكون سلفيًا من يطعن مشايخ وأئمة هذه الدعوة المباركة، كالشيخ ابن باز وابن عثيمين والألباني، ويصفهم بالشدة والإرجاع، ثم يثني على أهل الأهواء بأن فيهم خيرًا، نفع الله بهم، أو يدعي أن عقائدهم صحيحة، مع ظهور انحرافهم عن السنة وبعدهم عن أهلها، وميلهم لأهل البدعة والتحزب.

ومن تلبيس أولئك الأدعياء :  حصرهم هذه الدعوة السلفية المباركة في أصل واحد من أصولها، وهو معاملة الحكام، فيُظهرون السمع والطاعة ولزوم الجماعة، لكنهم لا يحذرون ممن يسعى في شق عصا أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل قد يعتذرون له، وهم مع ذلك عندهم تخليط في أبواب أخرى، كالرد على أهل البدع وبغضهم، ومحبة أهل السنة السلفيين ونصرتهم حيث ما كانوا، ومصاحبتهم والحذر من مصاحبة أهل الأهواء، فعندهم في ذلك اضطراب كثير وزلل، بل هم كما قال القائل: "من كان الناس عنده سواء فليس لعلته دواء"

ومن وساوس أدعياء السلفية : حصرهم لهذه الدعوة النبوية المباركة في بلد واحد كبلاد الحرمين، وإقليم كنجد حرسها الله تعالى، فغرضهم من ذلك تهميش بعض علماء هذه الدعوة، وما هكذا كان علماؤنا، كانوا يفرحون بكل من نصر هذه الدعوة -دعوة الإمام المجدد- ولو كان في أقصى الدنيا ويؤيدونه، وإليك بعض كلامهم في العلامة الألباني محدث الديار الشامية:

قال الشيخ ابن باز رحمه الله وغفر له: "ما رأيت تحت أديم السماء عالمـًا في الحديث في العصر الحديث مثل العلاّمة الألباني"، وقال رحمه الله: "الشيخ الألباني هو مجدد هذا العصر في ظني والله أعلم"، وقال: "لا أعلم تحت قبة الفلك في هذا العصر أعلم من الشيخ الألباني"، وأما الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وغفر له، فله جوابٌ عظيم في الدفاع عن الشيخ الألباني، أظهر فيه حبه له مع تباعد بلديهما. وهكذا أهل السنة رضي الله عنهم وأرضاهم. ومما قاله العلامة ابن عثيمين: "الألباني رجل من أهل السنة رحمه الله مدافع عنها، إمامٌ في الحديث، لا نعلم أحدا يباريه في عصرنا، لكن بعض الناس -نسأل الله العافية- يكون في قلبه حقد إذا رأى قبول الشخص، ذهب يلمزه بشيء كفعل المنافقين، الذين يلمزون المطوِّعين من المؤمنين في الصدقات، الرجل رحمه الله نعرفه من كتبه، وأعرفه بمجالسته أحياناً، سلفي العقيدة سليم المنهج، لكن بعض الناس يريد أن يكفِّر عباد الله بما لم يكفرهم الله به، ثم يدعي أن من خالفه في هذا التكفير فهو مرجئ، كذبًا وزورًا وبهتانًا، لذلك لا تسمعوا هذا القول من أي إنسان صدر) انتهى كلامه رحمه الله. فظهر جليًّا، أن سلفية أولئك الأدعياء حزبية عنصرية، قال الله جل وعلا: ((يا أيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى وجعلنكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)).

ومما ينبه عليه في هذا المقام : منهج جديد غريب، ألا وهو عدم ذكر أسماء أهل السنة والمشايخ السلفيين لئلا ينفر الناس، ومن مظاهر هذه الفكرة المنكرة: وضع بعض كتب الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب دون ذكر اسمه عليها، بل يكتبون في أولها: ألفه محمد بن سليمان التميمي، فيُخشى والله إن طال بنا الزمان، أن تطبع كتب الإمام أحمد وابن تيمية وابن القيم وغيرهم من أهل السنة دون ذكر لأسمائهم، فهل هذا هو الشكر لهؤلاء الأئمة، الذين ضحوا في سبيل نصرة السنة؟ هل جزاؤهم أن يغيبوا عن شباب المسلمين، هل جزاء المشايخ الذين نصروا المنهج السلفي ودعوا إليه أن لا توزع وأشرطتهم فيندثر علمهم ويختفي ذكرهم.

إن الذي درج عليه أهل السنة، عرض هذا المنهج السلفي برجاله، الذين نصروه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم بإحسان من أئمة الهدى ومصابيح الدجى، رضي الله عنهم وأرضاهم، يعرضون ذلك كله برجاله، رضي من رضي وسخط من سخط، وأما هداية الناس ونصرتهم فذاك بيد الله مصرف القلوب، أما قصة ذاك الذي نزع أول ورقة من كتاب للإمام المجدد، ليقرأه شخصٌ عنده لبس، فهي واقعة عين لا يصلح أن تجعل منهجًا لأهل السنة.

ومن تلبيس أدعياء السلفية:  تزهيدهم في الفقه في المنهج السلفي، بدعوى الاشتغال في طلب العلم، يقولون: اطلبوا العلم وتعرفون، وما كان هكذا السلف الصالح، بل كانوا يعلمون الناس الفقه والتفسير والسنة، ويحذرونهم من البدع والأهواء المضلة، بل قد اشتهر قول عمر رضي الله عنه: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، وتحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخوارج وذكره لأوصافهم لا يخفى، فهي إذن سنة نبوية محمدية، فيا عجبًا، أهل الأهواء يقعدون ويأصلون وينظرون، ويصرحون بمناهجهم المخالفة الضالة، وهؤلاء الأدعياء لا يتكلمون في منهج السلف إلا في استحياء، فأي نصرة للسنة تُرجى من ورائهم؟ فيا ليتهم يقرئون ردود علماء نجد على أهل الأهواء والبدع في الدرر السينية وغيرها، ليعرفوا كيف تنصر السنة.

اللهم إنا نعوذ بك من الركون إلى الدنيا وحظوظ النفس، ونسألك ربنا أن تجعلنا أنصارا للدين، دعاة إلى السنة يا رب العالمين.


ما رأيكم في الموقع ؟