بيان الحرج في منهج (افعل ولا حرج) !
   عدد المشاهدات : 3049

بيان الحرج

في منهج (افعل ولا حرج) !

الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام دينا، ونصب لنا الدلالة على صحته برهانا مبينا، وأوضح السبيل إلى معرفته واعتقاده حقا يقينا، ووعد من قام بأحكامه وحفظ حدوده أمرا جسيما، وذخر بمن وافاه به ثوابا جزيلا وفوزا عظيما، فرض علينا الانقياد له ولأحكامه، والتمسك بدعائمه وأركانه، والاعتصام بعراه وأسبابه، فرضا أكيدا، فهو دينه الذي ارتضاه لنفسه ولأنبيائه ورسله، فبه اهتدى المهتدون، وإليه دعا الأنبياء والمرسلون، ((أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)) .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله رحمة للعالمين، ومحجة للناسكين، وحجة على المعاندين، وجعله خاتم النبيين، ووضع به عن هذه الأمة الآصار والأغلال، فصلوات الله وسلامه وبركاته عليه وعلى الصحب والآل.

أما بعد، فيقول الله سبحانه وتعالى: ((ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ))، قال العلامة ابن سعدي رحمه الله في تفسيرها: "والمراد بالشعائر: أعلام الدين الظاهرة، ومنها المناسك كلها، كما قال تعالى: ((إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ)) ومنها الهدايا والقربات" انتهى كلامه.

وقال ربنا سبحانه وتعالى: ((ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ))، قال العلامة القرطبي في تفسيره: "الحرمات هنا: هي أفعال الحج"، وقال العلامة ابن سعدي أيضا: "وحرمات الله: كل ما له حرمة، وأُمر باحترامه، من عبادة أو غيرها كالمناسك كلها، وكالحرم والإحرام والهدايا، فتعظيمها: إجلالها بالقلب، ومحبتها، وتكميل العبودية فيها، غير متهاون ولا متكاسل ولا متثاقل" انتهى كلامه .

قال ابن القيم رحمه الله في الوابل الصيب: "إن الله ذم من لا يعظم أمره ونهيه، قال جل وعلا: ((مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً))، فعلامة التعظيم للأوامر: رعاية أوقاتها وحدودها، والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرص على تحينها في أوقاتها، والمسارعة إليها عند وجوبها، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها".

معاشر المؤمنين .. حجاج بيت الله الحرام، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ((يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ))، ويقول جل وعلا: ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ))، في صحيح مسلم أن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لم يبعثني معنتا ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا)، وروى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة)، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: (أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة) رواه البخاري في الصحيح معلقا وأخرجه أحمد وحسن سنده ابن حجر في الفتح .

فديننا بحمد الله دين اليسير والسماحة ورفع الحرج، ومن قواعد الشريعة الإسلامية :

أن المشقة تجلب التيسير، لكن هذا المقصد الشرعي لا يسوغ التساهل في أحكام الشريعة، ولا يبيح تتبع الرخص، ولا يجيز التفلت من الواجبات الشرعية، والفتيا بشاذ الأقوال ومستغرب الآراء، والبحث للنساك عن مخارج وتسهيلات وتيسيرات مصادمة للأدلة الشرعية، بدعوى دفع المشقة عنهم والتيسير عليهم، وجعل ذلك منهجا للفتيا في الحج .

لقد أصبح هذا المنهج -منهج التيسير في الحج- طريقاً يسلكه بعض منتحلي الفتيا، ويستحسنه بعض المنتسبين للعلم، وليت تيسيرهم جاء على وفق الدليل فأهلا به، لكنه جاء متكلَّفا متفلِّتا مصادما للنصوص الشرعية، مفوتا لمقاصد شرعية، ونتج عنه تهاون العامة في أداء مناسكهم، وتتبعهم الرخص، وبحثهم عمن يظهر تبني منهج الترخيص والرخص، يصاحب ذلك لمز بعض المرخصين المتساهلين مشايخنا الكرام الحريصين على الدليل، لمزهم بالتشدد والتعصب.

حجاج بيت الله الحرام .. لقد حذر سلفنا الصالح من تتبع الرخص وشواذ المسائل وزلات العلماء وغريب الأقوال، واشتد نكيرهم على من يسلك هذا السبيل، قال سليمان التيمي: "إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله"، وقال عبدالرحمن بن مهدي: "لا يكون إماما في العلم من يحدث بالشاذ من العلم"، وأخرج الإمام البيهقي في سننه عن إسماعيل بن إسحاق القاضي رحمه الله أنه قال: "دخلت على الخليفة المعتضد، فدفع إلي كتابا نظرت فيه، وكان قد جمع له الرخص من زلل العلماء، وما احتج به كل منهم لنفسه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، مصنف هذا الكتاب زنديق، فقال: لم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر الخليفة المعتضد فأحرق ذلك الكتاب" .

وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي فسق لا يحل. وقال الإمام أحمد: سمعت يحيى القطان رحمه الله يقول: "لو أن رجلا عمل بكل رخصة بقول أهل المدينة في السماع –يعني: الغناء-، وبقول أهل الكوفة في النبيذ، وبقول أهل مكة في المتعة، لكان فاسقا" .

نعم .. لقد صار ديدن فئام من الحجاج، السؤال عن الرخص والجرأة عليها، وإن لم تأت من فقيه ثقة، وضعف السؤال لدى هؤلاء، عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحج، والتمسك بسنته في ذلك، وضعف السؤال لدى هؤلاء عن هدي صلى الله عليه وسلم في الحج، وضعف عندهم التمسك بسنته في ذلك، وإبراء الذمة في أداء المناسك على الوجه الصحيح، وأصبح الحج عند بعضهم، وكأنما هو تخلص من الواجبات بأيسر سبيل، فأين هم من قوله صلى الله عليه وسلم: (لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه) .

لقد أصبح الحج عند بعضهم ميدانا يتنافسون فيه على الترخيص والتسهيل، ويتجرؤون مع قلة فقههم على الفتيا في أحكام المناسك، والتي هي من أدق أحكام العبادات، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية غفر الله له.

معاشر المؤمنين .. حجاج بيت الله الحرام، لقد أنكر علماؤنا هذا المنهج الجديد في إفتاء الحجيج، منهج الترخيص غير المنضبط بدليل شرعي، تحت شعار (افعل ولا حرج) !

قال شيخنا العلامة صالح الفوزان حفظه الله وأيده: "ما كتبه فلان بعنوان: افعل ولا حرج، يريد به التيسير على الحجاج ولو حصل إخلال بمناسك الحج، مع أن التيسير فيما شرعه الله، وبينه رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، لا باتباع الأقوال المخالفة لهدي الكتاب والسنة.

وقال حفظه الله ورعاه: "إن التيسير في الحج وغيره من أحكام الدين، يكون حسب الأدلة الصحيحة، مع التقيد بأداء الأحكام كما شرع الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك: عبادة الحج والعمرة، قال الله تعالى: ((وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ))، وإتمامهما يكون بأداء مناسكهما على الوجه الذي أداهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: ((لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ))، وقوله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم) أي: أدوها على الصفة التي أديتها به، لا على الرخص التي قال بها بعض العلماء من غير دليل من كتاب أو سنة، وتلقفها بعض الكتاب والمنتحلين للفتوى".

ثم حذر الشيخ الفوزان من تقديم بعض أقوال العلماء اتباعا للأهواء أو للرغبات العامة فقال: "يجب علينا أن نأخذ من أقوال العلماء، ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا ما يوافق أهواءنا ورغباتنا من أقوال العلماء، التي لا مستند لها من الأدلة الصحيحة".

ثم بين فضيلته : أن أصحاب فقه التيسير، يستدلون بالنصوص في غير موضعها فقال في طريقتهم: "أن تستعمل الأدلة الشرعية على غير مدلولها، وفي غير مواضعها، كمن يستدل بقوله صلى الله عليه وسلم، لمن سأله عن تقديم أعمال يوم العيد بعضها على بعض، (افعل ولا حرج) يستدل به على كل تقديم وتأخير، وترك لبعض واجبات الحج وأفعاله، فاستعمل هذا الدليل في غير محله، ونسي قول الله سبحانه وتعالى: ((وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ))، ولا يحصل إتمام الحج والعمرة الذي أمر الله به في هذه الآية الكريمة، إلا بأداء كل منسك من مناسكهما، في زمانه ومكانه كما حدده الله ورسوله، لا كما يقول فلان أو يفتي فلان من غير دليل، إنما تحت مظلة: (افعل ولا حرج)، وفي غير الزمان والمكان والأفعال التي وردت فيها هذه الكلمة النبوية".

ثم أبطل شيخنا حفظه الله استدلالهم بهذا الحديث: (افعل ولا حرج) على تساهلهم في أحكام المناسك، لأن هذا الحديث ورد في أمر خاص وهو تقديم أعمال يوم العيد بعضها على بعض فقال رعاه الله متسائلا: "هل قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن انصرف من عرفة قبل الغروب (افعل ولا حرج)، هل قالها لمن يرمي قبل الزوال في أيام التشريق، هل قالها لمن وقف بنمرة ووادي عُرنة ولم يقف بعرفة، هل قالها لمن ينصرف من مزدلفة قبل منتصف الليل، هل قالها لمن لم يبت في مزدلفة في ليلتها، وفي منى ليال أيام التشريق وهو يقدر على المبيت في مزدلفة وفي منى، هل قالها لمن طاف بالبيت من غير طهارة؟ إنه لا بد أن توضع الأمور في مواضعها، والأدلة في أماكنها، ولا بد أن يبين الإطلاق والإجمال".

ثم نبَّه الشيخ الفوزان على أن الحج جهاد فيه مشقة، ولهذا جاءت الأدلة الشرعية بالتيسير على الحجاج، فلسنا بعدها بحاجة إلى تيسيرات وتسهيلات فلان وعلان، قال أيده الله: "ولا تنس أن الحج جهاد، والجهاد لا بد فيه من مشقة، وليس هو رحلة ترفيهية".

"قد وسع الله الزمان والمكان لأداء المناسك، أما المكان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرفة: (وقفت ههنا وعرفة كلها موقف، وارفعوا عن بطن عرنة) وقال في مزدلفة: (وقفت ههنا وجمع كلها موقف)، وطاف صلى الله عليه وسلم بالبيت ماشيا وراكبا يستلم الحجر بمحجن، ووقت طواف الإفاضة والسعي يبدأ من منتصف الليل ليلة العيد، ولا حد لنهايته، ووقت رمي جمرة العقبة يوم العيد، يبدأ من منتصف ليلة العاشر إلى آخر المساء من ليلة الحادي عشر، ووقت رمي الجمرات الثلاث، يبدأ من الزوال إلى آخر المساء من ليلة الثاني عشر، وليلة الثالث عشر لمن تعجل، وغروب الشمس من اليوم الثالث عشر لمن تأخر".

ثم بين الشيخ الفوزان أن ما يحصل من ضيق ومشقة للحجاج، إنما هو بسبب تصرفاتهم، واجتماعهم في أول الوقت، كأول وقت الجمار يوم النفر الأول –يوم الثاني عشر- مع أن الشريعة وسعت وقت الرمي فقال حفظه الله ورعاه: "وفج منى كله مكان للمبيت وهو فج واسع لولا تصرفات الناس واتباع أطماعهم، فإنه لا يضيق بالحجاج لو استغل استغلالا صحيحا، واقتصر كلٌّ على ما يكفيه وترك الباقي لإخوانه، وإلا فإنه سيتحمل إثم من أخرجه من منى باستيلائه على أكثر من حاجته".

ثم أوضح فضيلته المنهج الصحيح للمفتي في الحج، وهو تربية الناس على التمسك بالسنة في الحج، لقوله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم)، فهذا هو شعار المؤمنين: (خذوا عني مناسككم)، وأما منهج: (افعل ولا حرج)، فهو استدلال للحديث في غير محله، وترخيص مصادم للشريعة، قال رعاه الله وأيده وسدده: "إن الذي يجب إعلانه للناس، هو قوله تعالى: ((وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ))، وقوله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم)، أما قوله عليه الصلاة والسلام: (افعل ولا حرج)، فإنما يقال لمن وقع منه تقديم وتأخير في المناسك التي تفعل في يوم العيد، حيث قاله النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم، لمن حصل منه تقديم وتأخير في المناسك الأربعة: الرمي والنحر والحلق أو التقصير والطواف والسعي، ولم يقله ابتداء، فكل شيء يوضع في موضعه، وأما إعلان: (افعل ولا حرج) لكل الناس وقبل حصول الخلل، فهذا يُحدث تساهلا وبلبلة في أعمال الحج" انتهى كلام العلامة الفوزان أعزه الله وأيده.

ومن نفائس العلامة ابن عثيمين رحمه الله وغفر له، ما ورد في فتاويه حيث قال: "يجب أن نعلم، أنه ليس كلما حلت مشقة جاز تغيير أصول العبادة".

ورد مفتي الديار السعودية العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله على من أجاز الرمي أيام التشريق قبل الزوال بدعوى التيسير فقال: "لكن هذا الرجل يأبى قبول سعة الشريعة التي هي سعتها على الحقيقة، مما لا يكون ناقضا لأصل العبادة، ويدعو إلى سعة مزعومة مفتراة مزيفة، فيها من تفويت شرط صحة العبادة ما يعرفه أهل العلم بدليل الكتاب والسنة والإجماع، إذ رخصته بالتجويز قبل الوقت مع فقدها الدليل مصادمة للدليل، ورخصة المسلمين بجواز الاستنابة في الرمي مع استنادها إلى الدليل، لم تصادم الدليل" انتهى كلامه.

وقال الشيخ عبد المحسن العباد في كتابه تنبيهات في الحج على الكتابة المسماة افعل ولا حرج: "وهذه الكتابة قد اشتملت على تهوين أمر المسائل الخلافية في الحج، والانتقاء منها ما فيه ترخيص وتيسير غير منضبط ولو كان مرجوحا أو شاذا، وهي من التجديد غير السديد".

قد قدم الشيخ الفوزان حفظه الله لكتاب حتى لا يقع الحرج، في الرد على كتابة افعل ولا حرج، وكان مما قاله شيخنا، أجاز فيها –يعني: مؤلف افعل ولا حرج-: "الإخلال بأداء المناسك في غير وقتها، وتركَ بعضها بلا جبران، اعتمادا على حديث: (افعل ولا حرج) الوارد جوابا لمسائل خاصة، في وقت مخصوص، حيث عممه، فأجاز بموجبه تجاوزات كثيرة في مسائل الحج، مخالفا بذلك قوله تعالى: ((وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ))، وقوله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم)".

وقال الشيخ صالح اللحيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، في تقديمه لرسالة: حتى لا يقع الحرج في الرد على كتابة افعل ولا حرج، قال حفظه الله: "رد بها –أي: المؤلف- على ما رآه من أوهام في رسالة: افعل ولا حرج، مما رآه غير مندرج في جواب النبي صلى الله عليه وسلم، لمن سألوه في يوم النحر عن أعمال حدثت منهم من أعمال يوم النحر، من حيث تقديم بعضها على بعض، وكذا فيما يتعلق بلزوم البقاء بعرفة إلى غروب الشمس، والفتاوى التي تصدر مني تدل على موقفي من إطلاق افعل ولا حرج، على غير ما صدرت بشأنه من المصطفى صلى الله عليه وسلم، والأصل فيما لم يكن من ضمن ما وقع عليه السؤال، أنه متقيد بفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا: فاتقاء الحرج أو حصوله مقيد بمخالفة السنة أو موافقتها، فعلينا أن نلتمس الخروج من الحرج بما تدل عليه نصوص الشريعة" انتهى كلامه مختصرا.

وممن أيد رد هذا المنهج، سماحة مفتي الديار السعودية، الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، في تقديمه وتأييده لكتاب: حتى لا يقع الحرج في الرد على كتابة افعل ولا حرج.

معاشر الحجاج والمعتمرين .. من مسائل الحج التي يسَّر فيها هؤلاء خلاف الدليل بدعوى افعل ولا حرج: الدفع من عرفة، (الحج عرفة) كما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لكن هؤلاء نشروا وعلموا وربوا عامة الحجاج على الدفع من عرفة قبل غروب الشمس، للتيسير عليهم زعموا.

ويجاب عن هذا بأن نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم وقف بعرفة إلى أن غربت الشمس، وكذلك جميع أصحابه، ولم يرخص لأحد في الدفع منها قبل الغروب، كما رخص في الدفع من مزدلفة قبل طلوع الفجر، فدل على أن الوقوف بعرفة إلى الغروب عزيمة لا بد منه، وعليه أهل الإسلام إلى يومنا، يقفون بعرفات إلى الغروب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا: صار الوقوف إلى ما بعد الغروب واجبا عند جماهير العلماء، وركنا عند بعضهم" انتهى كلامه.

والدفع قبل غروب الشمس الذي ينادون به، فيه مشابهة للمشركين، فقد كانوا في الجاهلية ينفرون من عرفة قبل الغروب، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم، فدفع بعد غروب الشمس، كما ذكر شيخ الإسلام في الاقتضاء.

ومن مفاسد الدفع قبل غروب الشمس الذي ينادي به هؤلاء، أن الحاج يغيب عن آخر يوم عرفة، حين تخشع القلوب لله عز وجل، وترفع الدعوات، وتتنزل الرحمات، قال شيخ الإسلام: "فمن لم يقف إلى العشية لم يباهي الله به فلا يكون من الحاج" يشير إلى الحديث: (وإنه ليدنو جل وعلا، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟) خرجه الإمام مسلم.

ومما أورده هؤلاء الميسرون : مسألة الجمار، فقد جمعوا مسائل التيسير في كتاب وأوردوا معها مسألة رمي الجمار، وأن في وجوب رميها خلافا، ورجحوا الوجوب، لكن العرض أمام العامة بهذه الطريقة يهون من شأن رمي الجمار وهو من واجبات الحج، فما دام أن فيه خلافا فقد يأتي ميسر جديد يسقطه عن الناس بدعوى رفع المشقة والتخفيف، وافعل ولا حرج.

ومما جوزه هؤلاء الميسرون : أن حصى الجمار إذا لم يقع في الحوض بل قريبا منه أجزأه، وهذا التيسير غير صحيح، بل الواجب أن تقع الحصاة في الحوض يقينا أو غلبة ظن، والزحام إنما سببه اجتماع الناس في أول الوقت، فيرشدون إلى التفرق لسعة وقت الرمي، وأما بعد مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله أيده الله، فقد زالت مشكلة الجمرات، خاصة بعد اكتمال الطابق الرابع للرمي.

وقد زاد هذا الـمُيسِّر فطعن في علماء المسلمين الذين يوجبون وقوع الحصى في الحوض بقوله: "فما بال أقوام يغارون على فرعيات جرى الخلف فيها، ويغمضون عن كليات جرى الجور عليها" انتهى كلامه. أي أن العلماء عنده مغرقون في الجزئيات، غافلون عن قضايا الأمة الكبرى، وهذا والله كذب وباطل، وسعي لاحتواء العامة وتهميش العلماء بدعوى: عدم فقههم للواقع وأحوال المسلمين وقضاياهم الكبرى. ثم إن الغيرة على رمي الجمار محمودة لا مذمومة، إذ هي غيرة على سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وملة أبينا إبراهيم، فإن رمي الجمار من إرث إبراهيم عليه السلام، والمذموم هو التهوين من شأن هذه الشعائر العظام، ونشر فقه التساهل بأداء المناسك، والطعن في علماء المسلمين، وتشبع المرء بما لم يعط، والتصدر للفتوى وهو لا يحسنها، وتحريض العامة على العلماء بدعوى: أنهم مشددون.

ومن مسائلهم التي روجوها تحت مظلة (افعل ولا حرج) : حثُّ الناس على رمي الجمار أيام التشريق قب الزوال، قالوا: للتيسير على الناس، وقد زالت مشكلة الجمرات بعد مشروع خادم الحرمين الشريفين وجعلها طوابق متعددة، وتنظيم دخول الناس وخروجهم، وإرشاد الحجاج إلى التفرق لسعة الزمن، هذا حل المشكلة، وليس الحل في إجازة الرمي قبل الزوال، ومصادمة الأدلة الشرعية، ومخالفة السنة المحمدية، فقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يرمي الجمرة أيام التشريق بعد الزوال لا قبله، وفهم الصحابة أنها لا ترمى قبل الزوال، قال ابن عمر رضي الله عنهما: "كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا" رواه البخاري، ولأنه صلى الله عليه وسلم قد بين الرخص في الحج، فأذن للضعفة بالدفع من مزدلفة ليلة العيد ورمي الجمار قبل ازدحام الناس، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يرخص أيام التشريق بالرمي قبل الزوال، مع علمه بازدحام الناس، وما كان ربك نسيا، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم)، وعلى هذا جماهير علماء المسلمين، قال المحب الطبري في القِرى: "رماها بعد الزوال عمر وابن عباس وابن الزبير، وهي السنة الرمي أيام التشريق الثلاثة، ولا يجوز إلا بعد الزوال عند الجمهور، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأحمد، وحكي عن بعضهم خلاف ذلك، والسنة الصحيحة ترد ذلك" انتهى كلامه.

ولاحظ قوله: "والسنة الصحيحة ترد ذلك" وقد صدق، فالعبرة بالدليل، لا بما يفعله هؤلاء الآن، وحجتهم قال فلان، وروي عن فلان، ويعارضون به سنة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم الصريحة، وطريقة أصحابه الجلية، في رميهم بعد الزوال، كما ذكره ابن عمر عنهم.

ومن تيسيرات دعاة افعل ولا حرج : قول بعضهم: "وقد نص النووي وجماعة أنه لو نسي الإفاضة وطاف للوداع من غير نية إفاضة أو بجهل بوجوب الطواف، أجزأه طوافه عنهما معا، وهذا حسن، وهو من التيسير والرخصة". هذا كلامه، ترجيح أحد الأقوال لأن فيه تيسيرا ورخصة دون نظر إلى الدليل، فأين هو من قول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) فطواف الإفاضة ركن وطواف الوداع واجب، والصواب أن طواف الوداع لا يجزئ عن طواف الإفاضة الذي هو ركن للحج، والعكس صحيح، فلو طاف الطواف الأعظم وهو طواف الإفاضة عند خروجه وسفره لبلده أجزأه عما دونه وهو طواف الوداع، لأنه جعل آخر عهده بالبيت، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولفعل عائشة رضي الله عنها بعدما اعتمرت من التنعيم.

ومن غرائب فقهاء التيسير إيرادهم مسائل غريبة تؤيد شعارهم  (افعل ولا حرج) ومن ذلك: ما أورده بعضهم عن الوقوف بعرفة قال: "هذا الركن يحصل أداؤه بلحظة حتى إن من العلماء من قال: لو مر بأجواء عرفة بالطائرة أجزأه"، وبالله عليكم، ما فائدة هذه التيسيرات؟ وهل سيقف الحجاج بعرفة جوا بعد هذه الفتوى، إن هذا تكلف وتنطع لا داعي له، وسيفتح الباب لمن يأتي وييسر بزعمه فيقول: لك أن تتطوف بالكعبة بالطائرة، وافعل ولا حرج، ثم يقولون بعدها: لا تغرقوا بالجزئيات، واعتنوا بقضايا الأمة الكبرى، إنه والله تناقض عجيب غريب.

ومن تيسيرات فقهاء التيسير : توهينهم الأخذ بقول ابن عباس في الدماء، بدعوى عدم إرهاق الحجاج بالذبح إذا تركوا الواجبات، وعليه: فمن ترك واجبات الحج لا شيء عليه عندهم وافعل ولا حرج، والذي عليه أهل العلم: أن من ترك أحد واجبات الحج، فعليه دم لقول ابن عباس رضي الله عنهما: "من نسي من نسكه شيئا أو تركه فليرق دما" رواه مالك والدارقطني، وقال الألباني: "ثبت موقوفا"، قال شيخنا العلامة ابن باز رحمه الله عن هذا الأثر: "له حكم الرفع؛ لأنه لا يقال من جهة الرأي، ولم نعرف له مخالفا من الصحابة، فعلى من ترك واجبا عمدا أو سهوا أو جهلا، كرمي الجمار أو المبيت ليالي منى وطواف الوداع ونحو ذلك، عليه دم يذبح في مكة ويقسم على الفقراء". ((ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ)) ، ((ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)) .

معاشر المؤمنين .. يقول الله سبحانه وتعالى: ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)) .

أمة الإسلام .. حجاج بيت الله الحرام .. أيها المرشدون والمفتون في الحج : إن الواجب على المفتي في مسائل الحج والعمرة وغيرها أن يتقي الله سبحانه وتعالى، وأن يتحرى اتباع الدليل والإفتاء بما يوافقه، وألا يرضي الناس بسخط الله، وأن يبحث عن نجاة نفسه قبل نجاة مستفتيه، وأن يعظم أمر الله في نفسه وعند سائله، وألا يخضع لضغوط جماهير العامة ورغبتهم في التيسير غير المنضبط بالشرع، وألا يتصدر للفتيا قبل أن يتمكن منها، لئلا يتكلم في دين الله بغير علم، وأن يربي الناس على التمسك بالسنة والعمل بالدليل، لا على التعلق بترخيص فلان وعلان، ((ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)).

وقد بين العلامة ابن القيم أن من علامات تعظيم شرع الله عدم التوسع في الرخصة حيث قال: "ومن علامات تعظيم الأمر والنهي، أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حد يكون صاحبه جافيا غير مستقيم على المنهج الوسط" .

وقال أبو المظفر الصنعاني: "المفتي من استكمل فيه ثلاثة شرائط: ال


ما رأيكم في الموقع ؟