| من أحكام الصيام |
|
من أحكام الصيام إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من
شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ
اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)) ((يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء
وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ
عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ
وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً*يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)). أما بعد : فيقول الله سبحانه وتعالى: ((يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ
مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ)). شهر رمضان شهر القرآن، والعتق من النيران، شهر الصيام
والقيام، والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالطاعات. إن لهذا الشهر الكريم أحكاما قد بينها رسول الله محمد
صلى الله عليه وسلم، فهذه وقفات مع أحاديثه عليه الصلاة والسلام في كتاب الصيام. أما الحديث الأول : فهو في حكم سبق رمضان بالصوم، روى أبو
هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا
يومين، إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه) خرجاه في الصحيحين. هذا الحديث دليل على النهي عن الصيام قبل ثبوت دخول شهر
رمضان، بأن يصوم يوما أو يومين من غير عادة، لقصد الاحتياط لرمضان، لأن الصوم
عبادة محددة بوقت معين، وهو رؤية الهلال، أو إكمال الشهر شهر شعبان ثلاثين يوما،
فالصيام قبل ذلك من تعدي حدود الله، وهو ذريعة من الزيادة في العبادة، قال الترمذي
رحمه الله بعد هذا الحديث: "والعمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل
الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان". ويستفاد من هذا الحديث: النهي عن صيام يوم الشك، لأن
الحديث يدل على النهي عن تقدم رمضان بصوم، وفي صيام يوم الشك حديث خاص يأتي إن شاء
الله عز وجل. ويستفاد منه: أن من كان له عادة بصيام يوم معين كيوم
الإثنين والخميس، أو صوم يوم وفطر يوم، فصادف ذلك قبل رمضان بيوم أو يومين، فلا
بأس بذلك، لأنه لم يقصد استقبال رمضان، ومثله من يصوم واجبا، كصوم نذر أو كفارة أو
قضاء أيام من رمضان السابق، فكل هذا جائز بحمد الله عز وجل. الحديث الثاني : بم يثبت دخول شهر رمضان؟ عن عبدالله بن عمر
رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تصوموا حتى تروا
الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له) خرجاه في الصحيحين، وفي
رواية لهما: (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين). هذا الحديث دليل على وجوب صوم
رمضان، إذا ثبتت رؤية هلاله شرعا، وأنه يجب إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما إذا حال
غيم أو نحوه دون هلال رمضان، وكذلك في رمضان نصوم حتى نرى الهلال، أو نكمل هذا
الشهر ثلاثين يوما، لأن الأصل بقاء الشهر، ولا يحكم بخروجه إلا بيقين. ومعنى قوله
صلى الله عليه وسلم (فإن غم عليكم) أي: ستر الهلال وغطي بغيم أو نحوه، وقوله عليه
الصلاة والسلام (فاقدروا له) بضم الدال وكسرها أي: أبلغوه قدره، وهو تمام ثلاثين
يوما، ويؤيده رواية الصحيحين (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين). ولا يصام يوم
الثلاثين من شعبان إذا غم الهلال، لأن الأصل أن تلك الليلة من شعبان، ولقول عمار
بن ياسر رضي الله عنه: "من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم صلى
الله عليه وسلم" رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. ولا يعتمد على قول
أهل الحساب في دخول الشهر ولا خروجه، لأنه صلى الله عليه وسلم علق الحكم بالرؤية
لا بالحساب، والرؤية يدركها الخاص والعام، والجاهل والمتعلم، وهذا من يسر الشريعة
فلله الحمد والمنة. ودلَّ الحديث على أن الصوم والفطر لا يجب على البعيد من
مكان الرؤية إذا اختلفت المطالع، لأن الشرع علق الحكم بالرؤية، وهنا لم يُر الهلال
لا حقيقة ولا حكما، وكمواقيت الصلاة، هذا قول قوي لبعض أهل العلم، ومنهم من قال:
إذا رؤي في بلد لزم الناس كلهم الصوم، واختاره العلامة ابن باز غفر الله له، ورأت
هيئة كبار العلماء أنه يرجع إلى علماء أهل كل بلد في هذه المسألة لقوة الخلاف
فيها. وينبغي أن يعنى بهلال شعبان، حتى تُعرف ليلة الثلاثين التي يُتحرى فيها هلال
رمضان، ويستكمل الشهر عند عدم الرؤية، وقد ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحصوا هلال شعبان لرمضان) رواه الترمذي
والحاكم والدارقطني، وسنده حسن كما في السلسلة الصحيحة، ومعنى قوله صلى الله عليه
وسلم (أحصوا هلال شعبان لرمضان) أي: اجتهدوا في إحصائه وضبطه، بأن تتحروا وتتراؤوا
منازله، لتكونوا على بصيرة في إدراك هلال رمضان، فلا يفوتكم منه شيء. وإذا قامت
البينة بعد طلوع الفجر أو أثناء النهار، بدخول رمضان برؤية هلاله في الليلة
الماضية فإنه يجب الإمساك عن المفطرات بقية اليوم، لكونه من رمضان، ولما ورد عن
سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه قال: "أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا من
أسلم أن أذن في الناس أن من أكل فليصم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم
عاشوراء" خرجاه في الصحيحين، ويجب قضاء ذلك اليوم على الأظهر من أقوال أهل
العلم والله أعلم، لما فيه من الاحتياط، ولبراءة الذمة من هذا الواجب العظيم. وإذا
صام ببلد ثم سافر وأتم بقية الشهر في بلد آخر وتأخر عندهم الفطر فإنه لا يفطر إلا
بإفطارهم ولو زاد على ثلاثين، لقوله صلى الله عليه وسلم: (الصوم يوم تصومون، والفطر
يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون) رواه الترمذي وسنده حسن، لكن إن صام ثمانية وعشرين
يوما بإفطار بلده قبل الثلاثين فعليه أن يفطر معهم ثم يصوم يوما، لأن الشهر لا
ينقص عن تسعة وعشرين يوما. أما الحديث الثالث : فهو في البشارة بقدوم شهر رمضان، عن
أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاكم رمضان،
شهر مبارك، فرض الله عز وجل صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب
الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد
حرم) رواه أحمد والنسائي. وفي هذا الحديث البشارة لعباد الله الصالحين بقدوم شهر
رمضان، فهو موسم عظيم، فيه أسباب المغفرة والرضوان، ولذا بشر به النبي محمد صلى
الله عليه وسلم فقال: (أتاكم رمضان شهر مبارك) الحديث. ومواسم العبادات نعمة من
الله عز وجل، فهي مغنم للطائعين، وميدان لتنافس المتنافسين، وفيها بلوغ الأمل، ورفع
الزلل، واستدراك ما فات، فالسعيد من اغتنم هذه المواسم. ويستفاد منه أن
بلوغ رمضان نعمة عظيمة على من أدركه وقام بحقه، فقام ليله، وصام نهاره، وأناب إلى
ربه، فكم من عبد حرم هذه النعم حتى باغته الأجل، وحل به هاذم اللذات. ويستفاد منها : الفرح والاستبشار بقدوم هذا الشهر، يقول
الله عز وجل: ((قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ
هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ))[يونس:58]، ومن المؤسف غفلة بعضهم عن هذه
النعمة، فيشتغل باللهو والباطل، والمآكل والمشارب، والنوم أنواع المطاعم، أو يشتغل
أحدهم بتجارته حتى يهجر المسجد والطاعة في رمضان، فتزود من الطاعات عبد الله،
فلربما كان هذا الشهر آخر رمضان تصومه، وما هي إلا أيام معدودات فاغتنمها في طاعة
الله عز وجل، وقوله عليه الصلاة والسلام: (أتاكم رمضان شهر مبارك) نعم، رمضان شهر
الخيرات والبركات، والمنح والعطيات، من بركة هذا الشهر يسر العبادة فيه، كالنفقة
والصيام والقيام وقراءة القرآن، ومنها أن فيها ليلة هي خير من ألف شهر، وهي ليلة
القدر، وقد قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (من حرم خيرها فقد
حرم) وقوله صلى الله عليه وسلم (تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم)
وهذا فتح لباب الرجاء، فمن كان مذنبا فأبواب التوبة مفتوحة، ومن أراد القرب من ربه
فليبادر ((قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا
تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ))[الزمر:53]. أما الحديث الرابع : فهو في فضل الصيام، عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة
بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به،
يدع شهوته وطعامه من أجلي) الحديث رواه البخاري ومسلم. دل الحديث على معنى الصيام
الشرعي، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة تعبدا لله تعالى، واستجابة لأمره،
ومسارعة لمرضاته، لقوله: (من أجلي) وقوله: (يدع شهوته وطعامه من أجلي) المراد
بالشهوة: الجماع لعطفها على الطعام والشراب، ويحتمل أن المراد جميع الشهوات فيكون
من عطف العام على الخاص، عند ابن خزيمة بسند صحيح: (يدع الطعام من أجلي، ويدع
الشراب من أجلي، ويدع لذته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي)، وقوله: (يدع شهوته
وطعامه) وهذا في زمن الصيام تعبدا لله عز وجل، وقد دل القرآن على زمن الصيام في
قوله تبارك وتعالى: ((وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ
الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ
إِلَى الَّليْلِ))[البقرة:187]، ويدخل في قوله: (يدع شهوته وطعامه) يدخل فيه إيصال
الطعام أو الشراب، من طريق الفم أو الأنف، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث لَقيط
بن سمرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
ويلحق بالأكل والشرب ما في معناهما فيفطر به، مثل الإبر المغذية، أما الإبر
المكافحة للمرض التي تستعمل علاجا فلا تفطر الصائم، سواء كانت في الوريد أو العضل،
لأنها ليست أكلا ولا شربا ولا في معناهما، ولو أخرها إلى الليل فهو أحوط، لقول
الخليل المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) أخرجه
الترمذي، وقوله عليه الصلاة والسلام: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)
رواه البخاري. ولا يفطر بالكحل والقطرة في العين، سواء وجد طعم ذلك في حلقه أو لم
يجد، قال الإمام البخاري في صحيحه: "ولم ير أنس والحسن وإبراهيم بالكحل
للصائم بأسا" انتهى. ولأن ذلك ليس بأكل ولا شرب ولا في معناهما، وهذا ما رجحه
شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في زاد المعاد، وأما قطرة الأنف فتفطر
إذا وصلت إلى المعدة أو الحلق، لأن الأنف منفذ يصل إلى المعدة، وقوله في الحديث
(يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) من أجلي: يدل هذا على استحضار النية وتقديم ما
يحبه الله عز وجل على ما تحبه النفس. معاشر المؤمنين .. مما ورد عنه صلى الله عليه وسلم بيان
حكم النية في الصيام، فعن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) رواه أبو داود وصححه ابن
خزيمة وابن حبان والحاكم. قوله: (من لم يجمع الصيام) أي: من لم يعزم ولم ينو، وهذا
الحديث دليل على أن الصيام لا بد له من نية كسائر العبادات، لأن الصيام ترك مختص
بزمن معلوم، فاحتاج إلى نية، لأن الإمساك قد يكون لمنفعة بدنية، والنية محلها
القلب، فمن خطر بباله أنه صائم غدا فقد نوى، وهذا من تيسير الله على عباده، ولا
يتلفظ بها كما يقول بعض الناس: اللهم إني نويت أن أصوم كذا وكذا، وقوله (من لم
يجمع الصيام قبل الفجر) يدل على أن النية تصح في أي جزء من الليل، فإن قوله صلى
الله عليه وسلم (قبل الفجر) القبلية تصدق على كل جزء من أجزاء الليل، وتبييت النية
قبل الفجر مختص بصيام الفرض، أما النفل فيجوز بنية من النهار لقول عائشة رضي الله
عنها: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: (هل عندكم من شيء؟ فقلنا:
لا، قال عليه الصلاة والسلام: فإني إذن صائم) خرجه الإمام مسلم في الصحيح. قال شيخ
الإسلام ابن تيمية: " وأما النفل فيجزئ بنية من النهار، كما دل عليه قوله (إني
إذا صائم)" عليه الصلاة والسلام. وإن نوى صوم النفل من النهار صح ذلك، لكن لا
يثاب إلا على ما نوى، ولا يحكم له بالصيام الشرعي إلا من وقت النية، لأن ما قبله
لم يوجد فيه قصد القربة فلا يقع عبادة. ويشترط لصحة صوم النفل بنية من النهار: ألا
يكون قد أتى بمفطر بعد الفجر. أما الحديث السادس : فهو في فضائل الصيام وخصائص هذا
الشهر المبارك، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا
الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة عند
فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) خرجاه في
الصحيحين. في هذا الحديث أربع من فضائل الصوم. منها : أن الصائم يوفى أجره بغير حساب، فإن الأعمال كلها
تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام، فإنه لا ينحصر تضعيفه في هذا
العدد، بل يضاعفه الواحد جل جلاله أضعافا كثيرة، لأن الصيام من الصبر، وقد قال
ربنا عز وجل: ((إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ))[الزمر:10]. ومنها: أن الله أضاف الصوم إلى نفسه من بين سائر
الأعمال، وكفى بهذه الإضافة شرفا في قوله كما ورد في الحديث: (إلا الصوم فإنه لي). ومنها: أن الصائم إذا لقي ربه فرح بصومه لما يراه من
جزائه وثوابه، وأما فرحته عند فطره فلتمام عبادته، وإباحة ما منع منه مما يوافق
فطرته، وهذا من الفرح المحمود، لأنه فرح بطاعة الله عز وجل. ومنها: أن رائحة فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك،
لكونها ناشئة عن طاعة الله عز وجل، فلا يضر الصائم كونها مكروهة في مشام الناس. ومن فضائل الصيام: أن الله اختص الصائمين بباب من أبواب
الجنة لا يدخل منه غيرهم، إكراما لهم، فقد روى سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الجنة بابا يقال له الريان، يدخل منه الصائمون
يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد) متفق
عليه، وزاد ابن خزيمة: (ومن دخل شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدا). اللهم إنا نسأل الجنة
وما قرب إليها من قول وعمل. وهذه الفضائل لا تكون إلا لمن صام مخلصا لله عز وجل،
وصان صومه من المحرمات، من سماع أو نظر أو كسب أو كلام محرم، فهذا هو الصوم الذي
تحصل لصاحبه تلك الفضائل العظيمة، فقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه
وشرابه)، يقول أبو هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رب صائم حظه من
صيامه الجوع والعطش، ورب قائم حظه من قيامه السهر) رواه أحمد وابن ماجه وغيرهما وقال
البوصيري: هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات. يقول الله سبحانه وتعالى: ((شَهْرُ
رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ
الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ
مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ
بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ
وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)). فاللهم يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام... |