| المولد الشريف (3)ـ |
|
معاشر المؤمنين: إن دعاة المولد لا يقتصرون على إحيائه بل يزيدون، فينشرون شبههم في تجويزه وتجويز سائر البدع، وصاروا يعرضون ذلك على عامة المسلمين عبر القنوات الفضائية لذا كان لا بد من الرد على استدلالاتهم وهذه من النصيحة لله ورسوله وعامة المسلمين. مما استدل به المحتفلون بالمولد النبوي قول الله سبحانه وتعالى: ((قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ)) قالوا: ومن مظاهر هذا الفرح الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم كما في رسالة العلوي حول الاحتفال بالمولد النبوي، ويجاب بأن هذا استدلال بالآية لم يعرفه السلف الصالح، فإنه لم ينقل عن أحد منهم الاحتفال بالمولد استدلالا بالآية على هذه الطريقة، والقرآن إنما نفهمه كما فهمه السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم، والفرح إنما يكون بإحياء سنته عليه الصلاة والسلام لا بإحداث البدع التي نهى عنها أشد النهي ومن البدع هذا الاحتفال السنوي، فكيف يفرحون بما يغضبه صلوات الله وسلامه عليه؟ ومما استدلوا به ما في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى فنحن نصومه شكرا لله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه) قالوا: فاحتفالنا بالمولد هو كذلك من باب الشكر لله على نعمة مولد النبي صلى الله عليه وسلم والجواب أن يقال: إن السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم لم يفهموا من الحديث ذلك ولهذا لم يحتفلوا بالمولد النبوي فكيف خفي هذا الفهم على المسلمين خمسة قرون حتى جاء ملك إربل ففهمه وأحدث المولد، إن استدلالهم بالآية السابقة وهذا الحديث سيفتح الباب للاحتفالات بمولده ثم ببعثته ثم بالإسراء والمعراج ثم بهجرته ثم بغزوة بدر ثم بفتح مكة ثم بوفاته صلى الله عليه وسلم ثم ينتقلون للاحتفال بموالد الأولياء والصالحين فيعملون لكل مولدا كالبدوي والجيلاني وغيرهما إلى آخر هذه القائمة من الاحتفالات، ولكل محتفل أن يقول: نحن نظهر الفرح ونشكر الله عز وجل لا غير، ألا فاعلموا أن شكر النعم إنما يكون بإحياء السنن وإماتة البدع والمحدثات. ومما استدلوا به ما جاء عن عروة أنه قال في ثويبة مولاة أبي لهب: أعتقها فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة قال: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة. قالوا: إذا كان أبو لهب الكافر نفعه فرحه بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، فما حال المسلم الموحد الذي يسر بمولده عليه الصلاة والسلام، والاستدلال بهذا الخبر ممنوع لأمور: أنه مرسل كما يتبين من سياقه عند الإمام البخاري، قال الحافظ ابن حجر: "إنه مرسل أرسله عروة ولم يذكر من حدثه به". ثانيا: المشهور عند أهل السير أن أبا لهب أعتق ثويبة بعد ولادة النبي صلى الله عليه وسلم بدهر طويل كما في الإصابة لابن حجر لا عند مولده الشريف عليه الصلاة والسلام. ثالثا: أن هذا الخبر يخالف ظاهر القرآن، وذلك أن أبا لهب كافر لا ينفعه فرحه بمولد النبي صلى الله عليه وسلم لقول ربنا سبحانه وتعالى: ((وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً)) . رابعا: أن ما ذكر من تخفيف العذاب عن أبي لهب مستنده مجرد كلام لأبي لهب الكافر في رؤيا لا يعرف من رآها والدين لا يعتمد فيه على رأى وأحلام المجاهيل. ومما احتجوا به زعمهم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يجوز عمل المولد وهذا ليس بصحيح فها هو الإمام ابن تيمية رحمه الله يقول في الاقتضاء عن هذه المواسم المبتدعة من موالد وغيرها ما نصه: "وإذا فعلها قوم ذوو فضل فقد تركها قوم في زمان هؤلاء معتقدين كراهتها وأنكرها قوم آخرون فترد إذن إلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم وكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مع من كرهها لا مع من رخص فيها ثم عامة المتقدمين من الذين هم أفضل من المتأخرين مع هؤلاء التاركين المنكرين" انتهى كلامه. وفي كلام شيخ الإسلام هذا فائدة ألا وهي الرد على من يحتج ببعض أهل العلم المجوزين للمولد ويترك الدليل مع أن من جوز عمل المولد النبوي يقيده بخلوه من الخرافات والمجازفات والعقائد الباطلة التي تحتف به اليوم، فليس لأحد أن يحتج بكلامهم في تجويز ما يفعل من موالد في الأزمان المتأخرة. ومما احتج به دعاة المولد زعمهم أنه اجتماع للذكر والصدقة ومدح النبي صلى الله عليه وسلم وهذه أمور مطلوبة شرعا والجواب أن يقال: نعم هذه عبادات مطلوبة شرعا لكن تخصيص هذا اليوم دون غيره بهذه العبادات لا دليل عليه لم يعمله السلف ((وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً)) فهو إذن إحداث في الدين وابتداع لم يأذن به الله سبحانه وتعالى، ويقال أيضا: إن الاجتماع على هذه العبادات إن كان بنية الاحتفال بالمولد فهو بدعة ولو لم يعمل شيئا آخر من غناء وضرب للدفوف ورقص. قال ابن الحاج في المدخل: "إن ذلك –أي: نية المولد- زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضين ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد، ويسعنا ما وسعهم". بل ذكر ابن الحاج أنهم لو اجتمعوا في المولد على قراءة صحيح البخاري عوضا عن الأناشيد فهو بدعة أيضا لأنهم نووا الاجتماع للمولد المبتدع. ومما استدلوا به على شرعية الاحتفال بالمولد حديث: (من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها) وزعموا أن معنى الحديث من اخترع سنة من عند نفسه بشرط أن تكون حسنة، فقد سبقهم إلى هذا الاستدلال بعض الناس فرد عليهم الإمام الشاطبي في الاعتصام بما حاصله: "أن قوله صلى الله عليه وسلم: (من سن سنة حسنة) ليس المراد به من اخترع سنة من عنده وإلا لعارض تحذيره صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى من الإحداث في الدين بعبارة جامعة كقوله صلى الله عليه وسلم: (إن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) وعليه فالمراد بالحديث: من عمل بما ثبت في السنة النبوية المحمدية بدليل سبب الحديث وهو أن رجلا تصدق بمال كثير فاقتدى به الناس والصدقة مشروعة بالسنة فقال فيه نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم: ((من سن سنة حسنة) أي: أحيا ما شرعه الله من السنن، فأين الاختراع الذي استفادوه من الحديث؟ ثم إن هذا الباب لو فتح لأمكن كل مبتدع أن يقول: إن بدعتي هذه سنة حسنة ثم يسعى في ليِّ أعناق النصوص لتدل على ذلك الحسن المزعوم. ومن أدلة المحتفلين بالمولد قول ابن مسعود رضي الله عنه: "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحا فهو عند الله قبيح". والجواب على هذا الاستدلال: أولا: أن المراد بالمسلمين هنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بدليل رواية الحاكم زاد فيها: "فقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر". ثانيا: زيادة الحاكم تبين أن مراد ابن مسعود ما أجمعه عليه الصحابة كاستخلاف أبي بكر وجمع المصحف لا ما رآه بعض الناس واستحسنوه وخالفهم غيرهم من أهل العلم والفضل كالمولد المحدث. ثالثا: هذا الأثر من قول ابن مسعود وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كما قاله ابن القيم وابن عبدالهادي، وابن مسعود قد ثبت عنه النهي عن الاجتماع للذكر على هيئة مخصوصة محدثة كما في قصته مع أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، فكيف لو رأى ما أحدثه الصوفية اليوم من اجتماع للمولد وما فيه من مخالفات ثم يحتجون بقوله رضي الله عنه على مشروعية بدعتهم! ومما استدلوا به تقسيم بعض المتأخرين البدعة إلى أحكام الشريعة الخمسة والجواب عن ذلك أن هذا التقسيم مخترع لا دليل عليه، ثم إن البدعة هي ما لا دليل عليه فكيف يقولون بعد إنها واجبة أو مستحبة بدلالة النصوص عليها! إن هذا والله لتناقض لأن ما دل عليه الدليل لا نسميه بدعة حقيقية واجبة أو مستحبة بل هو سنة محمدية، والنبي صلى الله عليه وسلم أتى بكلمة جامعة كل بدعة ضلالة، فلا يجوز لنا أن نعارضها فنقول: ليس كل بدعة ضلالة، بل هناك بدعة واجبة ومستحبة، رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل بدعة ضلالة) وهؤلاء يقولون: ليست كل بدعة ضلالة بل هناك بدع واجبة مستحبة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن هذا إلى مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم أقرب منه إلى التأويل". ومما استدلوا به على عمل المولد: جمع عمر الناس على إمام واحد في صلاة التراويح قالوا: فنحن سنعمل اجتماعا مثله للمولد والجواب: أن صلاة التراويح جماعة خلف إمام واحد شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم توقف عنها خشية أن تفرض فلما مات وانقطع الوحي أحياها عمر رضي الله عنه وأيضا عمر ليس كمن جاء من بعده لأنه ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) وكذلك قد أجمع السلف رضي الله عنهم وأرضاهم على صلاة التراويح، لكنهم لم يجمعوا على عمل المولد بل لم يعرفوه أبدا، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال في ذلك: "إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة" أي: أنها ليست بدعة، فقوله: فنعمت البدعة أي: إحياء السنن النبوية كصلاة التراويح جماعة وإن سماها بعض الناس بدعة مجازا لا حقيقة. ومما استدلوا به أن النصارى يحتفلون بمولد المسيح عليه السلام ونحن أولى وأجدر أن نحتفل بمولد نبينا صلى الله عليه وسلم، والجواب عن ذلك أن يقال: إن احتفال النصارى بمولد المسيح عيسى بن مريم هو من البدع التي أحدثوها في دينهم فكيف نقتدي بنصراني مبتدع؟ ثم إننا مأمورون بمخالفة أهل الكتاب، منهيون عن التشبه بهم ومن ذلك: التشبه بهم في إحداث احتفالات الموالد، فنسأل الله السلامة والعافية. ومما استدلوا به قولهم: إن هذا الاحتفال فيه إرغام للشيطان وسرور لأهل الإيمان، والجواب أن هذه البدعة إنما تسر الشيطان لأنها معصية للواحد الديان، وعليه فإن أهل الإيمان لا تسر قلوبهم بالبدع المحدثة بل سرورهم في إحياء السنة المحمدية، والمؤمن يفرح ويسر بالنبي صلى الله عليه وسلم على الدوام في العام كله، ولا يخصص ليلة واحدة فقط للفرح بمولده، إن هذا والله لبخل وعجز. ومن أدلتهم الاحتجاج بكثرة من يعمل المولد وعده إجماعا سكوتيا وهذا باطل فإن علماء الأمة لا يجمعون على عمل بدعة والإجماع الذين يزعمونه هو إجماع العوام، وقد قال الإمام الشاطبي رحمه الله: "لا خلاف أنه لا اعتبار بإجماع العوام وإن ادعوا الإمامة" انتهى كلامه. وكذلك الكثرة لا تدل على الحق، قال الله عز وجل: ((وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ))[الأنعام:116] وعلى كل حال، فالمسلمون مضى عليهم ستة قرون تقريبا وهم لا يعرفون هذا المولد ولا يرون شرعيته ولو كان خيرا لسبقونا إليه، ثم حدث من ملك إربل مخالفة لما اتفق عليه السلف من ترك الاحتفال بالمولد، أفلا يكون هذا عندكم إجماعا على ترك عمل المولد، فلماذا تخالفون ما اتفق عليه السلف الصالح؟ ومن أدلتهم قولهم إن عمل المولد فيه أداء لحق النبي صلى الله عليه وسلم، والجواب عن ذلك أن يقال: إن هذا الاحتفال بالمولد واتخاذه عيدا ليس فيه أداء لحق المصطفى صلى الله عليه وسلم، بل هو إساءة إليه لأنهم شرعوا عيدا لم يأذن به الله، فخالفوه صلى الله عليه وسلم حين قال: (إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة) ولأن الواجب أداء حقه صلى الله عليه وسلم في جميع العام، لا في ليلة مخصوصة من العام، وهذا أيضا من بخلهم وعجزهم. ومن أدلتهم أن عمل المولد فيه إحياء لذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ويجاب عن ذلك: بأن الله سبحانه وتعالى قد رفع ذكره، فالمسلم يذكره عند الأذان والإقامة والصلاة وعند سماع اسمه وغير ذلك من المواطن، فالمسلمون ولله الحمد والمنة لم يميتوا ذكره صلى الله عليه وسلم حتى يُحتاج لمولد يذكرهم به، وأيضا علينا إحياء ذكره العام كله، لا في ليلة واحدة مخصوصة، وهذا ثالث الأدلة على عجزهم وبخلهم. ومن أدلتهم الاحتجاج على صحة بدعتهم بوجود بدع أخرى، فهذا باطل فإن الواجب ترك جميع البدع بدعة المولد وغيرها، والخطأ لا يبرر بخطأ آخر إلا إن كانوا يقولون ذلك من باب التشغيب لا من باب إنكار البدع والنصيحة. ومن أدلتهم زعمهم أن من يعمل المولد نيته حسنة والله يثيبه على ذلك، وليس هذا بصحيح فإن العمل المقبول لا بد فيه من أمرين: الإخلاص والمتابعة، وهذا المحتفل لم يتابع رسول الله صلى الله عليه وسلم في فعله هذا، جاء في المبسوطة أن يحيى بن يحيى ذكر الأعراف وأهله فتوجع واسترجع ثم قال: "قوم أرادوا وجها من الخير فلم يصيبوه، فقيل له: أفيرجى لهم مع ذلك لسعيهم ثواب؟ قال: ليس في خلاف السنة ثواب" انتهى كلامه. ومن أدلتهم أن الاجتماع يوم المولد يستغل للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وليس هذا بصحيح بل في اجتماعهم الافتتان بالبدعة واستحسانها وإماتة السنن وعدم المبالاة بتحذيره صلى الله عليه وسلم من المحدثات، إضافة إلى المفاسد المذكورة في موضع آخر، حقا هم يستغلون الاحتفال بالمولد من أجل الدعوة إلى الطرق الصوفية المحدثة. ومما ينبه عليه في هذا المقام: الحذر من زلات بعض أهل العلم الذين يحضرون المولد مع ما يشتمل عليه من معصية الله سبحانه وتعالى، وابتداع في الدين، يقول الناصحون: "من تتبع زلات العلماء تزندق" فإياك أن تقدم آراء الرجال على أدلة الكتاب والسنة. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر". والواجب على أهل العلم أن يتقوا الله سبحانه وتعالى وألا يقفوا هذه المواقف لأن العوام يحتجون بحضورهم ويقولون: لو كان في مولدنا شيء لما حضره الشيخ فلان، وحري بأهل العلم الحرص على نشر السنة المحمدية وتعليم الناس ما صح من هديه صلى الله عليه وسلم، ونشر سيرته العطرة اعتمادا على ما ثبت من الأحاديث والآثار دون تخصيص لذلك بيوم معين من السنة. عباد الله، إن في إحياء المولد أضرارا، ومنها الأضرار التي تشتمل عليها قصائد المولد وأشعاره ومدائحه، تشتمل على مخالفات في العقيدة، فتراهم يحفظونها ويحفظونها الصبيان ويستأجرون من ينشدها على الناس يوم المولد، ومنها قصيدة البُردة للبوصيري فإن فيها غلوا وتعديا على مقام الربوبية ومن ذلك قول البوصيري مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي فضلاً وإلا فقل يا زلة القدم فإن مِن جودك الدنيا وضَرتها ومن علومك علم اللوح والقلم ففي هذه الأبيات مخالفات منها: قوله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لي من ألوذ به سواك، والعياذ واللياذ إنما يكون لله سبحانه وتعالى ((وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ))[الأعراف:200] ولا يجوز صرف هذه العبادة لغير الله سبحانه وتعالى. ومنها قوله عن النبي صلى الله عليه وسلم: فإن من جودك الدنيا وضرتها، والذي جاد بالدنيا والآخرة هو ربنا جلا وعلا، قال ربنا عز وجل عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى* وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى* وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى))[الضحى:8] وقال الله عز وجل: ((وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ))[الجاثية:13]. وفيها قوله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ومن علومك علم اللوح والقلم، وهذا باطل وبهتان عظيم، فإن علم اللوح المحفوظ وعلم المقادير التي كتبت بالقلم مما اختص الله عز وجل به، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فلا يعلم الغيب كما قال الله عز وجل: ((قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ))[الأعراف:188] ولم يكتف البوصيري بنظم هذه الأباطيل في بردته بل زاد على ذلك أكذوبة لترويجها نقلها عنه الصفدي في الوافي بالوفيات، قال البوصيري: "أصابني فالج أبطل نصفي عن الشلل ففكرت في عمل قصيدتي هذه البردة فعملتها فاستشفعت به إلى الله عز وجل في أن يعافيني فكررت إنشادها وبكيت ودعوت وتوسلت به ونمت فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فمسح على وجهي بيده الكريمة وألقى علي بردة فانتبهت ووجد فيَّ نهضة فخرجت من بيتي ولم أكن أعلمت بذلك أحدا فلقيني بعض الفقراء –أي: الصوفية- فقال: أريد أن تعطيني القصيدة التي مدحت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: أيها؟ قال: التي أنشدتها في مرضك وذكر أولها، وقال: والله لقد سمعتها البارحة وهي تنشد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيته صلى الله عليه وسلم يتمايل وأعجبته وألقى من أنشدها بردة، قال: فأعطيته إياها" انتهى كلامه. وفي هذا المنام المكذوب أباطيل منها: زعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على بردته المشتملة على مخالفات عقدية وهذا سوء أدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنها: زعمه أن النبي صلى الله عليه وسلم تمايل لما سمع البردة، وهذا كذب سَمِج على رسول الله صلى الله عليه وسلم للمهابة والسكينة والوقار. ومنها: دعواه أنه برئ بهذه الرؤيا، ولهذا يسمونها البُرَأة، وهذا كذب لا دليل عليه، والدين لا يؤخذ من المنامات والأحلام. ثم يأتي بعد ذلك من يفخم هذه القصيدة ولا ينكر ما فيها من أباطيل، ها هو ابن حجر الهيتمي يقول عن قصيدة البردة هذه: "ازدادت شهرتها إلى أن صار الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن". انتهى كلامه. وأعجب من هذا قول خالد الأزهري في شرحه للبردة: "إنها مشتملة على تصحيح الاعتقاد"، فإلى الله المشتكى من غربة الدين بين أهله بل عند من يوصفون بالعلم والرياسة في الدين. ومن مدائح البوصيري التي تُقرأ في الموالد قصيدته الهمزية التي سماها أم القرى وضمنها دعاء النبي صلى الله عليه وسلم والاستغاثة به من دون الله بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك قوله مخاطبا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأغثنا يا من هو الغوث والغيث إذا أجهد الورى اللأواء يا نبي الله استغاثة ملهوف أضرت بحاله الحوباء وقد شرحها ابن حجر الهيتمي في المنح المكية بقوله: "فأغثنا أي: لتقضى حاجاتنا لوفور جارك وعظيم منزلتك، وقوله: يا من هو الغوث أي: للمكروبين والملجأ للمنقطعين، المنقذ لهم من الشدائد المشبع للجائعين فأزل شكوانا وارفع لأوانا". ثم شرح البيت الثاني يا نبي الهدى استغاثة ملهوف قال: "قوله استغاثة ملهوف هي نداء من يخلص من شدة أو يخففها أي: أستغيث بك استغاثة ملهوف أي: مضطرب محتاج إلى من ينقذه مما يهلكه". انتهى كلام ابن حجر الهيتمي. أرأيتم معاشر المؤمنين إلى أي حال وصل دعاة المولد؟ تساهلوا في شأن البدع حتى أوقعهم الشيطان في دعاء غير الله عز وجل، والاستغاثة بمن دونه من المخلوقين، وهذا الذي بعث النبي صلى الله عليه وسلم لمحاربته والتحذير منه، قال الله عز وجل في دعاء مشركي قريش غير الله بدعوى طلب الشفاعة : ((وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ))، وقال الله عز وجل مبينا شبهتهم في الاستغاثة بغير الله واحتجاجهم بجاه ومنزلة المدعوين: ((وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى))، وكان الواجب أن يدعو الله عز وجل قائلين: اللهم شفع فينا نبيك محمدا صلى الله عليه وسلم. معاشر الموحدين: دققوا في أحوال دعاة المولد واحذروهم، فإن كثيرا منهم يوافقون البوصيري صاحب البردة في الدعوة إلى الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وطلب المدد منه، ولهذا يقرؤون قصيدته على العوام ويقرون بما فيها ولا ينكرون، بل ويسمعون دعاء أهل الحضرة يوم المولد: مدد مدد يا رسول الله، ولا ينكرون ذلك بل يحضرون وعن أفعال هؤلاء يدافعون ((أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ))[الأنعام:31]. اعلم أُخَي أن هؤلاء الذين يدعون الأموات ويستغيثون بأهل القبور من دون الله عز وجل لهم شبه باطلة كشبههم في تجويز عمل المولد أصلحهم الله عز وجل وهداهم إلى سواء السبيل. معاشر المؤمنين: من المفاسد التي ترتبت على بدعة المولد ادعاء بعضهم كالقسطلاني في المواهب اللدنية أن ليلة المولد النبوي أفضل من ليلة القدر. ومن ذلك زعم بعضهم أن الدعاء يستجاب يوم المولد في الساعة التي ولد فيها الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك –أي: من المخالفات- استعمال آلات الطرب من كالدفوف والطبول. ومنها قلة احترام القرآن فيبدؤون الحفل بآيات من كتاب الله عز وجل، ثم يتبعونها بضرب الصوفية على دفوفهم والغناء الصوفي البدعي. ومنها: الافتتان بالمردان المنشدين. ومنها: اختلاط الرجال بالنساء وهذا يحصل في زماننا هذا والله المستعان. ومن مفاسد إقامة احتفال المولد نشر الاعتقادات الفاسدة الواردة في أناشيد وقصص الموالد. انتهى ما أورده ابن الحاج رحمه الله وغفر له. ومن مفاسد إقامة احتفال المولد: تعويد النفس على التفلت وعدم التقيد بحدود الشرع. ومن مفاسد الموالد التي ذكرها الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية: شد الرحال إلى تلك البقاع، وذكر ذلك أيضا السيد محمد رشيد رضا في المنار. ومن مفاسدها: استغلال بعض أثرياء هذا الاحتفال فينفقون عليه بقصد الظهور والشهرة والسمعة. ومن مفاسدها فتح الباب للابتداع في الدين فكل من أحدث يمكنه استعمال طريقة أهل المولد في ليِّ أعناق النصوص لتقرير البدع والمحدثات. وعلى سبيل المثال: يمكن لأصحاب بدعة عيد الحب فالانتاين أن يردوا على الصوفية إذا أنكروا عليهم بدعتهم بقولهم: قصدنا من هذا العيد إظهار محبتنا للمؤمنين كما أنكم قصدتم بالمولد إظهار حب النبي صلى الله عليه وسلم، ونبين فيه فضل الحب في الله بين المؤمنين، ولا تقولوا معشر الصوفية إننا في عيد الحب شابهنا النصارى بل أنتم شابهتم النصارى في عيد ميلاد المسيح فعملتم عيدا لمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا قال الصوفية لأصحاب عيد الحب: إنه بدعة، فإنهم سيردون بقولهم: ما شاء الله إذا قال علماء أهل السنة إن الاحتفال بالمولد بدعة قلتم نعم ولكنها بدعة حسنة فنحن نرد عليكم ونقول وبدعتنا حسنة فما الفرق بيننا وبينكم؟ أرأيتم معاشر المؤمنين كيف أن بدعة المولد تفتح الباب لسائر البدع وعندنا أن عيد المولد وعيد الحب وغيرهما من الأعياد محدثة مبتدعة وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. ومن مفاسد إقامة هذا الاحتفال نشر القصص المكذوبة الواردة في كتب الموالد. ومن أخبار أصحاب المولد التي لا تصح ما أورده الملا علي القاري في كتابه المورد الروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أنا ابن الذبيحين –ويعني بهما جده إسماعيل وأباه عبدالله- وهذا لا يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن ذلك ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لما اقترف آدم الخطيئة قال يا رب أسألك بحق محمد إلا غفرت لي، فقال الله عز وجل: يا آدم وكيف عرفت محمدا ولم أخلقه، قال: يا رب لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله تعالى: صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي وإذا سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك) كذا أورده الملا علي القاري في المورد الروي، وهذا الحديث لا يثبت عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم. ومن الأخبار الباطلة التي يوردونها أن آدم عليه السلام لما رام القرب من حواء طلبت المهر منه فقال: يا رب وماذا أعطيها، فقال الله: يا آدم صل على حبيبي محمد عشرين مرة ففعلت) زاد المناوي في مورده: (ثم جمع الله رؤساء الملائكة وقال: أشهدكم يا ملائكتي أني زوجت عبدي آدم من أمتي حواء). ومما يوردنه أن النساء الحوامل وضعن ذكورا لا إناثا في السنة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كرامة له، ممن أورد ذلك المناوي في مورده. ومما يروونه من الأخبار الباطلة، أن كل دابة لقريش نطقت ليلة الحمل بمحمد صلى الله عليه وسلم وقالت: حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن آسية أم مريم ونساء من الحور العين حضرن ولادته صلى الله عليه وسلم، ممن أورد ذلك البرزنجي في مولده والرِّياحي التونسي في مولده. ومما يذكرونه من الأخبار الباطلة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا) قال البرزنجي في مولده: "ولد صلى الله عليه وسلم مختونا مقطوع السرة بيد القدرة الإلهية". قال ابن القيم رحمه الله: "روي في ذلك حديث لا يصح وليس فيه حديث ثابت وليس هذا من خواصه فإن كثيرا من الناس يولد مختونا". قال الحافظ العراقي: "لا يثبت في هذا شيء". ومن ذلك أن آمنة رأت رؤيا وهي حامل برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: إنك حبلى بخير البرية وسيد العالمين، فإذا ولدتيه فسميه أحمدا ومحمدا وعلقي عليه هذه، فانتبهت وعند رأسها صحيفة من ذهب مكتوب فيها: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد. ومن ذلك خبر في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله، هذا آخر موطئي من الأرض، كنت حاجتي من الدنيا) ذكره المناوي في مولده، وهذا الخبر لا يثبت كما في القول الفصل للعلامة الأنصاري رحمه الله وغفر له. ومن ذلك حديث: (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين) ذكره الميرغني في مورده والعلوي في تعليقه على مورد ابن الديبع والملا علي القاري في مورده، وهذا باطل قد رده العلماء، قال شيخ الإسلام: "إن آدم لم يكن بين الماء والطين قط فلم يكن له حال بين الماء والطين". فيا أيها المحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إن الحديث في المولد النبوي وما احتفّ به من عظائم وشنائع، قد بين شيئا مما آلت إليه الصوفية في زماننا، كانوا يزعمون قديما أن طريقتهم زهد ورقائق وتهذيب للسلوك، وزيادة في التعبد لله، لكنهم لم يلتزموا بذلك، فهم اليوم قد أبعدوا كثيرا عن الجادة وصار جُلُّ ما عندهم مظاهر جوفاء، وإحياء للحفلات الدينية الصاخبة المصحوبة بالدفوف والغناء الصوفي والرقص طربا وتواجدا ثم بعدها يشتغلون بالأكل والشرب والحلوى المولدية، مع عقائد فاسدة وبدع متتابعة كما سمعت عن أفعالهم في المولد النبوي كيف بدأ وإلى أي شيء انتهى، ثم يزعمون بعدها أن الصوفية اليوم لا علاقة لهم بما في كتب القوم من شطحات وطوام وخرافات، إنما هو تهذيب للسلوك وتربية للمولدين، نعم قد تبين لك شيء من سلوكهم وتربيتهم، وشنائع الاحتفال بالمولد تشهد بانحراف هذا السلوك واعوجاج تلك التربية، لقد كان أوائل الصوفية على ما عندهم من بلايا خير من صوفية زماننا، لقد تكلم ابن الجوزي في تلبيس إبليس عن تلبيس الشيطان على الصوفية وهذا في زمانه فما بالك بزماننا والقوم كلما تقدم الزمان زاد بعدهم عن السنة، وأحدثوا أمورا يسمونها بدعة حسنة، فهل من توبة نصوح؟ يا معشر المسلمين، إن الواجب على المسلم محاسبة نفسه والحذر من سبل الردى. معاشر المؤمنين المحبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، فتمسكوا بما كان عليه السلف الصالح من اعتقاد وعمل، وإياكم وما أحدثه الناس، ألا إن سبيل الهدى واضح بيِّن وهو ما عليه أهل السنة اليوم، فإنهم هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة وهم أهل الحديث وأهل السنة والجماعة، فليست القضية احتفالا بالمولد وانتهى الأمر، لا بل الأمر أعظم من ذلك. إن الواجب تصفية العقيدة مما علق بها ثم تربية المسلمين على ذلك الدين الصافي، والاحتفال بالمولد وما يشتمل عليه من انحرافات هو عرض لمرض، فلولا الخلل في التعامل مع النصوص والمحدثات والبدع، لما وجد الاحتفال بالمولد وغيره من المحدثات، ولولا سلوك سبيل غير المؤمنين لما تلاعب بعضهم بنصوص الشريعة لتوافق هواه وبدعته. إن الأمة الإسلامية اليوم تتطلع إلى فجر جديد مشرق وضاء، يعلو فيه أهل الإيمان ويمكن الله لهم في الأرض، لكن هذا لن يتحقق إلا بعد تحقق شرط وهو المذكور في قول ربنا جل وعلا: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً)) ثم بين جل وعلا شرط ذلك –شرط العلو والتمكين بقوله: ((يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً))[النور:55] نعم، كيف ننصر وفينا من يدعو غير الله طالبا منه المدد، ويذبح وينذر لقبور الأولياء، ومن يبني عليها القباب ويزعم أن أهلها يتصرفون في الكون، بل ويتعدى على مقام الربوبية فيزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم ما يعلمه الله من غيب كما فعل البوصيري في بردته، ثم يقرؤها كثير من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، نعم ما تعانيه الأمة الإسلامية اليوم هو ثمرة انتشار البدع والتهاون بشأنها فيزيدون في دين الله الذي كمل، وكأنهم لم يعملوا شيئا، يتعبدون لله بضرب الدفوف والغناء والرقص يوم المولد، وكأنهم للدين ينصرون، بل يحسبون أنهم مهتدون وأشد حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك المتمسك بهدي السلف الصالح رضي الله عنهم، التارك لما أحدثه المتأخرون. أخي الكريم، احذر المجادلة بالباطل وكن لينا محبا للناصحين، ودع عنك ما أحدثه الناس من بدع الموالد وغيرها وعليك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسن الخلفاء الراشدين المهديين، وأبشر فإن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة"، نعم نحن اليوم بحمد الله نشهد يقظة إسلامية، همها تصحيح العقيدة والعبادة، ونصر السنة وهجر البدعة، وثمرة ذلك بحول الله عز وجل تنزل النصر من رب العالمين، والتمكين لعباده المؤمنين، صدق الله عز وجل حين قال: ((إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ))[الرعد:11]. أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يجعلك مباركا أينما كنت، وأن يقر عينيك برؤيته ورؤية نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم، وأن ينيلك شفاعته، ويسقيك من حوضه المورود، وأن يعظم محبته في قلبك حتى يكون أحب إليك من نفسك وولدك ووالدك والناس أجمعين، كما نسأله جل وعلا أن نكون من أنصاره الذابين عن سنته، المنافحين عن عرضه، بارك الله في الجهود، وسدد الخطى، وجزى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم خير ما جزى نبيا عن أمته. اللهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. |